تُعد شركة «أبوظبي لبناء السفن (ADSB)إحدى الركائز الأساسية في منظومة الصناعات البحرية الدفاعية بدولة الإمارات، حيث انتقلت خلال السنوات الأخيرة إلى مرحلة جديدة من النمو والتوسع، مدعومة برؤية استراتيجية تركز على التوطين، والابتكار، والتصدير. وفي هذا السياق، التقت مجلة «الجندي» السيد دافيد ماسي، الرئيس التنفيذي للشركة، للحديث عن مسيرته المهنية، ورؤية (ADSB) بعيدة المدى، وأبرز إنجازاتها، واتجاهات بناء السفن القتالية الحديثة، وأجرت معه الحوار التالي:

تُعد شركة «أبوظبي لبناء السفن» (ADSB) إحدى الركائز المحورية في منظومة الصناعات البحرية الدفاعية في دولة الإمارات. وقد شهدت الشركة خلال السنوات الأخيرة مرحلة جديدة من النمو والتوسع، مدفوعة برؤية استراتيجية ترتكز على التوطين والابتكار وتعزيز الصادرات. وفي هذا الإطار، أجرت مجلة «الجندي» حواراً مع السيد دافيد ماسي، الرئيس التنفيذي للشركة، للحديث عن مسيرته المهنية، ورؤية الشركة بعيدة المدى، موضحاً أبرز إنجازاتها، واتجاهات تطوير السفن القتالية والدفاعية الحديثة.
حدثنا عن مسيرتك المهنية وصولاً إلى منصب الرئيس التنفيذي لشركة أبوظبي لبناء السفن ؟
انضممتُ إلى شركة أبوظبي لبناء السفن (ADSB) قبل ستة أعوام بصفتي الرئيس التنفيذي، ومنذ ذلك الحين قدتُ عملية التحول المتسارع التي شهدتها الشركة، لتصبح لاعباً إقليمياً بارزاً في مجالات تصميم وبناء وإصلاح وصيانة وتجديد وتحويل السفن العسكرية والتجارية.
تمتد خبرتي المهنية عبر قطاعات الدفاع والتمويل والاستشارات الاستراتيجية. فقبل انضمامي إلى شركة أبوظبي لبناء السفن ، عملتُ مستشاراً في الؤون المالية والاستراتيجية، حيث شاركت في إدارة البرامج ومشاريع تكامل الأنظمة المعقدة ضمن مجالات الدفاع والأمن الوطني. كما توليت مهاماً استشارية في صفقات الاندماج والاستحواذ، واستراتيجيات الشركات، وحلول إعادة الهيكلة. وسبق ذلك عملي في شركة متخصصة بالأمن السيبراني، حيث تعاملت خلالها مع المخاطر السياسية والرقمية.
ومنذ تولي منصبي الحالي، ركزتُ على تعزيز المنظومة الصناعية البحرية في دولة الإمارات، وتطوير قدرات التصميم البحري السيادي، ورفع جاهزية التصدير، بما يمكّن شركة أبوظبي لبناء السفن من تقديم منصات بحرية متقدمة وخدمات إسناد مستدامة داخل الدولة وعلى المستوى الدولي على حد سواء.

أصبحت شركة أبوظبي لبناء السفن لاعباً محورياً في قطاع الدفاع البحري. ما رؤيتكم طويلة المدى، وكيف تنسجم مع استراتيجية دولة الإمارات لتحديث قواتها البحرية؟
رؤيتنا بعيدة المدى واضحة وطموحة؛ إذ نسعى إلى ترسيخ مكانة شركة أبوظبي لبناء السفن كمركز عالمي للتميز في بناء السفن الحربية، والتقنيات البحرية المتقدمة، والأنظمة البحرية الذاتية غير المأهولة، مع الإسهام في تعزيز القاعدة الصناعية السيادية لدولة الإمارات ودعم أولويات أمنها الوطني.
لقد تبنّت دولة الإمارات نهجاً متكاملاً لتوطين الصناعات الدفاعية بوصفها ركناً أساسياً للاستقلال الاستراتيجي، والتنويع الاقتصادي، وتعزيز المرونة الأمنية على المدى الطويل. وفي هذا السياق، تضطلع شركة أبوظبي لبناء السفن بدور محوري من خلال تصميم وبناء ودعم الأصول البحرية المتطورة التي تسهم في حماية المصالح البحرية للدولة وصون بنيتها التحتية الحيوية.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك دخول زورق الصواريخ «الطاف» التابع للقوات البحرية الإماراتية الخدمة مطلع العام الماضي، باعتباره أول قطعة من فئة برنامج «فلج 3». ويجسد تنفيذ مشروع بهذا الحجم، من مرحلة التصميم وصولاً إلى التسليم والتشغيل، المكانة المتنامية للشركة كقائد إقليمي في مجال الدفاع البحري.
ويتمثل طموحنا في بناء منظومة دفاع بحري مستدامة داخل دولة الإمارات، تقوم على التكامل بين الابتكار والقدرة الصناعية والتميز التشغيلي.

توطين عملية بناء السفن أولوية استراتيجية لدولة الإمارات. كيف عززتشركة أبوظبي لبناء السفن قدراتها الوطنية في هذا المجال، وما أبرز إنجازاتها في هذا الصدد؟
لعبت شركة أبوظبي لبناء السفن على مدى ثلاثة عقود، دوراً محورياً في تطوير القدرات البحرية في منطقة الخليج العربي. ومع احتفالنا هذا العام بمرور 30 عاماً على التميز في بناء السفن، نواصل إحراز تقدم ملموس نحو تمكين قدرات بناء سفن سيادية محلية في دولة الإمارات.
تعتمد الشركة على مرافق تمتد على مساحة 330 ألف متر مربع، وقوة عاملة ماهرة تضم نحو 1400 موظف. وفي نوفمبر 2024، أطلقنا مكتباً تقنياً جديداً في أبوظبي، يهدف إلى حماية الملكية الفكرية الوطنية وتعزيز القيمة المضافة المحلية من خلال التعاون مع نخبة من الشركاء العالميين في الصناعة البحرية.
ويُعد هذا المكتب منصة متخصصة تُعنى بتطوير التصاميم البحرية، وتصنيع المواد المتقدمة، وتطوير السفن غير المأهولة، والتقنيات تحت السطحية، إضافة إلى تكامل الأنظمة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجالات التصميم البحري.
وقد أثمرت هذه الاستثمارات عن تطوير منصات سيادية متقدمة، من أبرزها سفينة الدورية البحرية «FA‑400»، التي تمثل نموذجاً معيارياً عالي الأداء، ومزوّدة بأنظمة تسليح متطورة، ومستشعرات دقيقة، وأنظمة ملاحة حديثة، إضافة إلى منظومات خداع (Decoy) متقدمة، بما يضمن تلبية متطلبات العملاء من حيث الكفاءة والمرونة التشغيلية.
ما أبرز الاتجاهات التي تشكل الجيل المقبل من السفن القتالية السطحية؟
يشهد قطاع السفن القتالية السطحية تحولاً جذرياً يتمثل في الانتقال من منصات أحادية المهام إلى أنظمة متعددة المهام، مترابطة تقنياً، وقادرة على العمل بكفاءة في البيئات البحرية المعقدة والمتنازع عليها.
وفي شركة أبوظبي لبناء السفن، نرصد عدداً من الاتجاهات المحورية التي تقود هذا التحول، من أبرزها:
- التصاميم المعيارية متعددة المهام.
- دمج أنظمة التسليح المتقدمة والمستشعرات وقدرات الحرب الإلكترونية.
- التوسع في استخدام الأنظمة الذاتية وغير المأهولة.
- تعزيز القدرة على البقاء وتقليل البصمة الرادارية والصوتية.
فالسفن القتالية الحديثة باتت مطالبة بقدرة عالية على التكيف السريع مع المتطلبات التشغيلية المتغيرة، الأمر الذي يدفع نحو تبني هياكل مرنة، وأنظمة مفتوحة قابلة للتكامل، وحمولات معيارية قابلة للتطوير طوال دورة حياة المنصة.
أصبحت السفن القتالية اليوم منصات معلوماتية متكاملة، تُسهم في بناء الوعي الظرفي ودعم العمليات الشبكية والدفاع متعدد الطبقات. وتعكس برامجنا، مثل «فلج 3» و«FA‑400»، هذه المتطلبات المتقدمة، إذ جرى تصميمها لدمج أنظمة قتالية ومستشعرات وحمولات عالية التطور، بما يضمن مرونة تشغيلية واسعة واستدامة طويلة الأمد. كما تتضمن هذه المنصات أنظمة صواريخ متقدمة وقدرات حرب إلكترونية تعزز القوة الضاربة والقدرة على البقاء في بيئات القتال الحديثة.
وتُعد الأنظمة البحرية الذاتية وغير المأهولة أحد المحاور الرئيسة لاستثماراتنا. فتماشياً مع التوجه العالمي نحو دمج الذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة والعمليات البحرية الشبكية، يوفر زورق M‑Detector 170 غير المأهول قدرات متقدمة في مهام مكافحة الألغام والمراقبة البحرية، بما يعزز الفاعلية التشغيلية ويرفع مستوى سلامة الأفراد.
وفي مجال تقنيات التخفي، بات خفض البصمة الرادارية والصوتية ضرورة لتحقيق ميزة عملياتية في البيئات المتنازع عليها. وفي هذا الإطار، نعمل بشكل وثيق مع «معهد الابتكار التكنولوجي» (TII)، الذراع البحثية التطبيقية لمجلس أبحاث التكنولوجيا المتطورة في أبوظبي. وقد أسست الشركة بالتعاون مع المعهد، في سبتمبر الماضي، مركز ابتكار بحري جديداً، استناداً إلى تعاون سابق ناجح شمل تطوير زوارق غير مأهولة بخصائص تخفٍّ متقدمة.
وانسجاماً مع التحول العالمي نحو أنظمة قتالية متكاملة تعمل ضمن بيئة شبكية، يظل تركيزنا موجهاً نحو تزويد دولة الإمارات وشركائنا الدوليين بمنصات بحرية قابلة للتكيف، ومتقدمة تقنياً، وجاهزة لتلبية متطلبات العمليات المستقبلية.
كيف تضمن شركة أبوظبي لبناء السفن تكامل الأنظمة في السفن الحديثة وتسليمها جاهزة للمهام؟
يُعد تكامل الأنظمة حجر الزاوية في القدرات البحرية الحديثة، وننظر إليه في شركة أبوظبي لبناء السفن ككفاءة محورية تمتد عبر كامل دورة حياة السفينة.
ويرتكز نهجنا في هذا المجال على مبدأين أساسيين:
- أولاً: اعتماد فلسفة “التصميم من أجل التكامل” حيث يجري تطوير هيكل المنصة، وأنظمة القتال، ومتطلبات المهام بشكل متوازٍ منذ المراحل الأولى للتصميم. ويضمن هذا النهج دمج المستشعرات والأسلحة وأنظمة القيادة والسيطرة ضمن البنية الأساسية للسفينة، بدلاً من إضافتها لاحقاً، ما يقلل المخاطر التقنية ويعزز الفاعلية التشغيلية.
- ثانياً: بناء شراكات استراتيجية مع رواد التكنولوجيا عالمياً إذ لا توجد جهة واحدة تطوّر جميع الأنظمة الفرعية، ما يجعل التكامل الفعّال قائماً على تعاون صناعي وثيق. وتعملشكة أبوظبي لبناء السفن جنباً إلى جنب مع شركاء دوليين لدمج تقنيات متقدمة تشمل أنظمة الحرب الإلكترونية والخداع، وأنظمة الملاحة والدفع، وحلول إدارة المنصات.
وهدفنا النهائي هو تسليم منصات متكاملة وجاهزة للمهام، توفر للقادة وعياً ظرفياً متقدماً، ومرونة تشغيلية عالية، وفاعلية قتالية متفوقة، مدعومة بخبرات هندسية محلية، وشراكات تقنية راسخة، ودعم مستدام طوال دورة حياة السفينة.
كيف يعزز التعاون ضمن مجموعة «ايدج» ومع الشركاء الدوليين تنافسيةشركة أبوظبي لبناء السفن وحضورها التصديري؟
إن انضمام شركة أبوظبي لبناء السفن إلى مجموعة ايدج يمنحها منظومة دفاعية متكاملة ومتجانسة تعزز الابتكار، وترسخ قدراتها في تكامل الأنظمة، وترفع تنافسيتها على المستوى العالمي.
فعلى سبيل المثال، وبعد استحواذ ايدج على 50% من شركة “سيات SIATT ” البرازيلية المتخصصة في الأسلحة الذكية والمطورة لصاروخ «MANSUP» المتقدم سطح–سطح، وقّعت شركة أبوظبي لبناء السفن اتفاقية استراتيجية مع «سيات» لدمج هذا النظام الصاروخي على منصة” FA‑400″.
وقد أسهم العمل ضمن هذه المنظومة المتكاملة في إبرام برامج تصدير كبرى إقليمياً ودولياً. ففي يونيو من العام الماضي، وقّعت مجموعة ايدج عقداً تاريخياً بقيمة 9 مليارات درهم إماراتي مع وزارة الدفاع الكويتية لتوريد سفن «فلج 3». كما وقّعت الشركة في عام 2023 عقداً بقيمة 4.35 مليار درهم إماراتي مع البحرية الأنغولية لبناء أسطول من الطرادات بطول 71 متراً.
كما مكّنت مجموعة ايدج شركة أبوظبي لبناء السفن من تقديم خدمات دعم متقدمة. ففي مطلع عام 2025، حصلت «ميسترال»، وهي شراكة بين مجموعة ايدج و شركة “فينكانتييري”، على عقد لدعم الأسطول الكامل للقوات البحرية الإماراتية أثناء الخدمة. وتتعاون شركة أبوظبي لبناء السفن مع «ميسترال» في تنفيذ هذا المشروع ومواكبة مسيرة تطوير القوات البحرية الإماراتية خلال السنوات الخمس المقبلة.
وباختصار، يتيح التعاون في مجموعة ايدج ومع الشركاء الدوليين تقديم حلول بحرية متقدمة محلياً وعالمياً، من خلال نقل التكنولوجيا، وتعزيز النمو الصناعي، وتعزيز القدرة على الوصول إلى الأسواق.

ما الرسالة التي تود توجيهها إلى المجتمع الدفاعي بشكل عام ودولة الإمارات بشكل خاص؟
إن ترسيخ أمن وطني قوي يقوم على الشراكة والابتكار والاستثمار المستدام في القدرات السيادية. وقد وضعت دولة الإمارات رؤية طموحة لبناء قاعدة صناعية دفاعية متقدمة ومرنة، وتفخر شركة أبوظبي لبناء السفن بدعم هذا التوجه الوطني عبر توفير قدرات بحرية سيادية حقيقية تحمي المصالح البحرية للدولة وتصون بنيتها التحتية الاستراتيجية.
وبصفتنا الشريك الاستراتيجي للقوات البحرية الإماراتية، نلتزم بتعزيز الجاهزية التشغيلية من خلال تصميم منصات متطورة، وتكامل أنظمة حديث، وإدارة شاملة للقدرات طوال دورة الحياة.
كما نؤمن بأن التعاون بين القطاع الصناعي والقوات المسلحة وشركاء التكنولوجيا يشكّل ركيزة أساسية، خصوصاً في ظل التحولات التي تقودها التقنيات الناشئة مثل الأنظمة الذاتية، والرقمنة، والعمليات متعددة المجالات. فالحفاظ على التفوق العملياتي يتطلب شراكات مستمرة وتكاملاً فعالاً.
وستواصل شركة أبوظبي لبناء السفن الاستثمار في تطوير الكفاءات الوطنية، وتعزيز الابتكار، وترسيخ مكانة دولة الإمارات مركزاً عالمياً للتميز البحري، من خلال تعاون هادف يبني منظومة دفاعية مستدامة تعزز الأمن الوطني، وتدفع النمو الصناعي، وتدعم الطموحات الاستراتيجية طويلة المدى للدولة.
حوار: مجلة الجندي










