في أعقاب نهاية الحرب الباردة، واجه الجيش الأمريكي تحوّلاً جذرياً في بيئة التهديد، تمثّل في تراجع سيناريوهات الحرب الشاملة التي تتطلّب تشكيلات قتال ضخمة، مقابل تصاعد الأزمات الإقليمية، وبروز الحاجة إلى قدرات التدخل السريع، وانتشار أنماط الحروب غير المتناظرة (غير التقليدية). وقد كشفت تجربة حرب الخليج الثانية (1991) من جهة، ثم التحديات المرتبطة بسرعة الانتشار والمرونة العملياتية خلال تسعينات القرن الماضي من جهة أخرى، محدودية البنية التقليدية القائمة على الفرق الثقيلة كبيرة الحجم، سواء من حيث قابلية النقل وبطء حركتها، أو سرعة التكيّف مع الطبيعة المتغيرة ومتطلبات مسارح العمليات.

في هذا السياق، أطلق الجيش الأمريكي منذ مطلع الألفية مشروع التحول المؤسسي (Army Transformation)، الذي قاده رئيس الأركان آنذاك الجنرال إريك شينسيكي، وأسفر عن تبنّي مفهوم Brigade Combat Teams BCTs بوصفه وحدة المناورة الأساس، المعيارية والقابلة للانتشار بشكل مستقل نسبياً. وقد أتاح هذا النموذج دمج عناصر المشاة والدروع والطيران والإسناد الناري، إلى جانب الدعمين الإداري واللوجستي، ضمن تشكيل واحد مرن وقابل لإعادة التشكيل، بما يلائم طبيعة المهمة والبيئة. غير أن هذا التحول الذي استجاب إلى حدٍّ كبير لمتطلبات حروب العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين، يواجه اليوم اختباراً نوعياً جديداً في ظل ملامح الحروب المستقبلية المتوقعة، التي تتسم بتعدد المجالات، شفافية ساحة المعركة، تصاعد دور النيران الدقيقة والمسيّرات واتساع نطاق القتال الحضري. ومن هنا، تبرز ضرورة إعادة فحص دور وحدات المناورة البرية – ولا سيما المشاة والدروع – ومساءلة مدى صلاحية وملاءمة التنظيمات الحالية لهذه الوحدات في تنفيذ المهام القتالية المستقبلية، بوصف ذلك نقطة انطلاق أساسية لاستشراف مستقبل التشكيلات البرية في حروب عالية الكثافة ومعقّدة تقنياً وعملياتياً.
الحرب صراع منظّم بين إرادات متعارضة
توصف الحرب بأنها صراع منظّم بين إرادات متعارضة، وهو توصيف ظلّ ثابتاً في جوهره عبر التاريخ، غير أن طرائق خوض هذا الصراع، وأشكال تنظيم القوة العسكرية، شهدت تحوّلاً نوعياً منذ مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. ففي أعقاب الحروب الطويلة في العراق وأفغانستان، ومع تسارع التطور التكنولوجي وعودة التنافس بين القوى الكبرى، برز مفهوم الحرب متعددة المجالات (Multi-Domain Warfare / Multi-Domain Operations) تدريجياً في الأدبيات العسكرية الغربية – ولا سيما في الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي – خلال الفترة الممتدة تقريباً بين عامي 2015 و2018، بوصفه استجابة فكرية وعقائدية لبيئة عملياتية باتت تتسم بتداخل غير مسبوق بين مجالات القتال المختلفة. ولم تعد المعركة البرية مجالاً مستقلاً أو مكتفياً بذاته، بل غدت جزءاً من منظومة عملياتية مترابطة تشمل المجال البري والجوي والبحري، إلى جانب المجالين السيبراني والفضائي، فضلاً عن المجال المعلوماتي- الإدراكي الذي يستهدف عملية صنع القرار والإلمام بالموقف. ونتيجة لهذا التحول البنيوي، لم يعد تقييم فاعلية تشكيلات المشاة والدروع – لا سيما على مستوى الألوية – مرتبطاً بالقوة النارية أو القدرة على المناورة فحسب، بل بمدى اندماجها ضمن شبكة عملياتية متعددة المجالات، وقدرتها على تبادل المعلومات آنياً، والتنسيق مع النيران بعيدة المدى، والعمل بفعالية في بيئة تتسم بالاستطلاع الدائم، وشفافية ساحة المعركة، والاشتباك المتزامن عبر مجالات مختلفة. ومن ثم، يصبح استشراف مستقبل وحدات المناورة البرية مشروطاً بفهم هذا التحول في طبيعة الحرب ذاتها، لا بالاكتفاء بتحديث المنصات أو إعادة ترتيب الهياكل التنظيمية بمعزل عن السياق العملياتي الأوسع.

الحروب المستقبلية
انطلاقاً من هذا الإدراك المتغيّر لطبيعة الصراع، تبرز الحاجة إلى النظر في الحروب المستقبلية – بما في ذلك الحروب الهجينة، التي تُعرَّف بوصفها نمط صراع يجمع بصورة متزامنة بين الوسائل العسكرية التقليدية والعمليات غير النظامية والأدوات المعلوماتية والسيبرانية والضغوط السياسية والاقتصادية – بوصفها إطاراً حاسماً لاختبار قدرة التنظيمات القتالية القائمة واستعدادها الفعلي على العمل في بيئة تتسم بالتعقيد والتداخل بين المجالين العسكري وغير العسكري. وفي هذا السياق، تشير التجارب الحديثة إلى أن ميدان القتال يتجه أولاً نحو شفافية قتالية شبه كاملة (Battlefield Transparency) نتيجة الانتشار الكثيف للمسيّرات، وتوافر الأقمار الصناعية التجارية، وتنامي قدرات الاستطلاع والمراقبة المستمرة، الأمر الذي أدى إلى تراجع مفهومي التمركز الآمن (Secure Positioning) والاحتياط المخفي (Concealed Reserve)، وجعل التشكيلات الكبيرة والثقيلة أهدافاً عالية القيمة وسهلة الاكتشاف في النزاعات الهجينة وعالية الكثافة على السواء.
ثانياً، يترافق هذا التحول مع تصاعد نوعي في فاعلية النيران الدقيقة منخفضة الكلفة – بما في ذلك الصواريخ الموجّهة، والذخائر المتسكّعة (Loitering munitions)، والطائرات المسيّرة الهجومية – ما أفضى إلى اختلال بنيوي في معادلة الكلفة – الفاعلية بين الوسيلة المستهدِفة والمنصة المستهدَفة. فقد أصبحت كلفة تحييد دبابة أو عربة مدرعة أقلّ بدرجة معتبرة من كلفة إنتاجها وتشغيلها ودعمها لوجستياً على امتداد دورة حياتها، وهو ما يفرض إعادة تقييم جوهرية لجدوى التشكيلات الثقيلة والضخمة (Massed formations)، خاصة عندما تعمل بمعزل عن منظومة حماية شبكية متكاملة ومتعددة المجالات تتيح الاستشعار المبكر، توفير الدفاع النشط، وتحقيق التكامل بين النيران والقدرات عبر مختلف مجالات العمليات. وأخيراً، تتجه الحروب المستقبلية نحو البيئة الحضرية بوصفها ساحة الصراع الرئيسية، في ظل توقعات ديموغرافية تشير إلى أن نحو 70 % من سكان العالم يعيشون في المدن، وهي بيئة تُقيّد حرية حركة الدروع، وتُضعف أهم ميزاتها، قوة الصدمة، وتُبرز في المقابل الدور الحاسم للمشاة في السيطرة، والتمييز، والتفاعل مع فضاء مدني شديد التعقيد. ونتيجة لذلك، لم يعد التحدي المطروح أمام الجيوش يتمثل في تحديث المنصات أو زيادة النيران فحسب، بل في مدى ملاءمة التنظيمات الحالية لوحدات المناورة البرية – من حيث الحجم، والتوزيع، والمرونة – لطبيعة حرب هجينة ومكشوفة وعالية الكلفة التشغيلية، وهو ما يجعل فهم هذه السمات شرطاً أساسياً لإعادة تقييم الجاهزية وإعادة تصميم القوة البرية للمستقبل.
إلى جانب ذلك، تبرز إمكانية تطوير تكتيكات تشكيلات المناورة البرية بالاستفادة من الخبرات التعبوية وأساليب القتال غير التقليدية والتنظيم المرن والعمل اللامركزي للوحدات ذات الطبيعة الخاصة. فالتجارب العملياتية الحديثة تشير إلى جدوى اعتماد وحدات فرعية أصغر حجماً وأكثر استقلالية، قادرة على العمل كوحدات قتالية مكتفية ذاتياً نسبياً، من حيث الاستطلاع، القيادة والسيطرة، الإسناد الناري الدقيق والدعم اللوجستي الميداني، مع الحفاظ في الوقت ذاته على قابليتها للاندماج السريع ضمن تشكيلات أكبر عند تطلّب الموقف العملياتي ذلك. ويتيح هذا النمط من التنظيم – المستوحى من مبادئ عمل القوات الخاصة – تعزيز سرعة القرار، تقليص التوقيع العملياتي، رفع قدرة الوحدات على الانتشار والمناورة في بيئات حضرية ومعقّدة، دون التضحية بإمكانية حشد التأثير القتالي على مستوى التشكيلات الميدانية. وبذلك، لا يُنظر إلى اللامركزية والاستقلال التكتيكي بوصفهما بديلاً عن العمل المشترك، بل كآلية مكملة تُمكّن تشكيلات المناورة البرية من الجمع بين المرونة التشغيلية على المستوى الأدنى والقدرة على تحقيق التآزر القتالي ضمن تشكيلات أكبر، بما يعزّز قابلية التكيّف مع متطلبات الحروب المستقبلية المتغيّرة.
الحرب غير التقليدية
من جهة أخرى، إن التركيز المتزايد على أنماط الحرب غير التقليدية، والحروب الهجينة، والقدرات غير المتكافئة، ينبغي ألا يقود إلى إغفال احتمالية اندلاع الحروب التقليدية عالية الكثافة، حتى وإن بدت فرص وقوعها أقل ترجيحاً نسبياً. فقد أظهرت الحرب في أوكرانيا بوضوح أن الصراع بين جيوش نظامية، باستخدام تشكيلات مدرعة، ومدفعية كثيفة، ونيران بعيدة المدى، لا يزال ممكناً وذا أثر حاسم في ميزان القوى، ولا سيما في سياقات التنافس بين الدول. وفي الوقت ذاته، كشفت هذه الحرب أن الصراع التقليدي لم يعد يُخاض بصورته الكلاسيكية الصرفة، بل بات يتداخل على نحو وثيق مع أدوات الحرب غير التقليدية، من مسيّرات منخفضة الكلفة، وحرب معلومات، وعمليات سيبرانية، واستهداف للبنية التحتية والعمق الاقتصادي. ومن هنا، تفرض دروس حرب أوكرانيا ضرورة اعتماد مقاربة متوازنة لدى تصميم وبناء القوة البرية، تقوم على الحفاظ على الجاهزية للحرب التقليدية عالية الشدة، دون التفريط في تطوير القدرات اللازمة لمواجهة أنماط الصراع غير التقليدية والهجينة، التي يُرجَّح أن تشكّل الشكل الأكثر احتمالاً للصراعات المستقبلية. إن هذا التوازن بين ما هو تقليدي وما هو غير تقليدي يمثل شرطاً جوهرياً لضمان مرونة القوات البرية وقدرتها على الانتقال السلس عبر طيف الصراع، بدل حصرها في نموذج واحد قد يثبت قصوره في مواجهة تحديات بيئة أمنية متغيرة وغير يقينية. بناءً على ما تقدم، من الممكن استخلاص إطار استرشادي لعملية التحول المنشودة ارتكازاً على ضرورة تنفيذ عملية مراجعة للقدرات (Capability Review)، كشرط لازم لتقليل المخاطر التنظيمية المحتملة ولتجنب أي نتائج غير متوازنة لعملية التحول.

ويمكن تلخيص هذا الإطار في أربع مراحل متداخلة ومترابطة:
فهم بيئة الصراع المستقبلية (Future Operating Environment Assessment): لا بد من البدء بتحديد السمات المرجعية (المعيارية) للحروب المحتملة – تقليدية، هجينة، وعالية الكثافة – وتحليل آثارها على المناورة البرية، لا سيما من حيث التعرض للكشف، زمن القرار، أنماط التهديد، وطبيعة ميدان العمليات.
اختبار ملاءمة التنظيمات القائمة (Organizational Stress Test): يكون ذلك بتقييم التشكيلات الحالية – من حيث الحجم، القيادة والسيطرة، المرونة، وقابلية التجزئة وإعادة الاندماج – في ضوء تلك السيناريوهات، بهدف تحديد مواطن القوة والقصور دون افتراض مسبق بالحاجة إلى التفكيك أو الإبقاء.
مراجعة القدرات الجوهرية (Core Capability Review): تشمل هذه المرحلة فحص القدرات العملياتية الحاسمة (الاستشعار، القيادة والسيطرة، المناورة، النيران، الحماية، والاستدامة)، مع التركيز على مدى تكاملها شبكياً، وقدرتها على العمل المستقل وعلى الاندماج ضمن تشكيلات أكبر عند الضرورة. يتم في هذه المرحلة تحليل ما إذا كانت القدرات الحالية والمستقبلية متناسبة مع طبيعة الحرب المستقبلية كما يتم فيها تحديد تطبيقات الذكاء الاصطناعي المطلوبة ضمن خطط تطوير القدرات.
تحديد مسارات التحول التدريجي (Phased Transformation Pathways): يجب تجنب الاستعجال والقفز إلى نماذج تنظيمية جديدة، واعتماد مسارات تحول تدريجية تسمح بتجريب أنماط تنظيمية وتكتيكية مختلفة – مثل الوحدات الفرعية شبه المستقلة، أو التشكيلات المعيارية المرنة – ضمن أطر تجريبية قابلة للتقييم والتعديل.
وعليه، إن التحول المطلوب في تشكيلات المناورة البرية ليس تحولاً شكلياً في الهياكل، ولا تحديثاً تقنياً للمنصات، بل عملية مؤسسية واعية تبدأ بمراجعة القدرات، وتُبنى على فهم عميق لطبيعة الحرب، وتنتهي بقوة برية قادرة على العمل بفعالية عبر طيف واسع من الصراعات. إن اعتماد هذا النهج لا يضمن فقط مواءمة أفضل مع حروب المستقبل، بل يوفر أيضاً أساساً رشيداً لاتخاذ قرارات تطويرية متدرجة، متوازنة، وقابلة للاستدامة في بيئة أمنية تتسم بعدم اليقين وسرعة التحول.
لواء م/ خالد علي السميطي










