MAIN OK

تشكيلات المناورة البرية في الحروب المستقبلية

في‭ ‬أعقاب‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬واجه‭ ‬الجيش‭ ‬الأمريكي‭ ‬تحوّلاً‭ ‬جذرياً‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬التهديد،‭ ‬تمثّل‭ ‬في‭ ‬تراجع‭ ‬سيناريوهات‭ ‬الحرب‭ ‬الشاملة‭ ‬التي‭ ‬تتطلّب‭ ‬تشكيلات‭ ‬قتال‭ ‬ضخمة،‭ ‬مقابل‭ ‬تصاعد‭ ‬الأزمات‭ ‬الإقليمية،‭ ‬وبروز‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬قدرات‭ ‬التدخل‭ ‬السريع،‭ ‬وانتشار‭ ‬أنماط‭ ‬الحروب‭ ‬غير‭ ‬المتناظرة‭ (‬غير‭ ‬التقليدية‭). ‬وقد‭ ‬كشفت‭ ‬تجربة‭ ‬حرب‭ ‬الخليج‭ ‬الثانية‭ (‬1991‭) ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ثم‭ ‬التحديات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بسرعة‭ ‬الانتشار‭ ‬والمرونة‭ ‬العملياتية‭ ‬خلال‭ ‬تسعينات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬محدودية‭ ‬البنية‭ ‬التقليدية‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬الفرق‭ ‬الثقيلة‭ ‬كبيرة‭ ‬الحجم،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬قابلية‭ ‬النقل‭ ‬وبطء‭ ‬حركتها،‭ ‬أو‭ ‬سرعة‭ ‬التكيّف‭ ‬مع‭ ‬الطبيعة‭ ‬المتغيرة‭ ‬ومتطلبات‭ ‬مسارح‭ ‬العمليات‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬أطلق‭ ‬الجيش‭ ‬الأمريكي‭ ‬منذ‭ ‬مطلع‭ ‬الألفية‭ ‬مشروع‭ ‬التحول‭ ‬المؤسسي‭ (‬Army Transformation‭)‬،‭ ‬الذي‭ ‬قاده‭ ‬رئيس‭ ‬الأركان‭ ‬آنذاك‭ ‬الجنرال‭ ‬إريك‭ ‬شينسيكي،‭ ‬وأسفر‭ ‬عن‭ ‬تبنّي‭ ‬مفهوم‭ ‬Brigade Combat Teams BCTs‭  ‬بوصفه‭ ‬وحدة‭ ‬المناورة‭ ‬الأساس،‭ ‬المعيارية‭ ‬والقابلة‭ ‬للانتشار‭ ‬بشكل‭ ‬مستقل‭ ‬نسبياً‭. ‬وقد‭ ‬أتاح‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬دمج‭ ‬عناصر‭ ‬المشاة‭ ‬والدروع‭ ‬والطيران‭ ‬والإسناد‭ ‬الناري،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الدعمين‭ ‬الإداري‭ ‬واللوجستي،‭ ‬ضمن‭ ‬تشكيل‭ ‬واحد‭ ‬مرن‭ ‬وقابل‭ ‬لإعادة‭ ‬التشكيل،‭ ‬بما‭ ‬يلائم‭ ‬طبيعة‭ ‬المهمة‭ ‬والبيئة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬الذي‭ ‬استجاب‭ ‬إلى‭ ‬حدٍّ‭ ‬كبير‭ ‬لمتطلبات‭ ‬حروب‭ ‬العقدين‭ ‬الأولين‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين،‭ ‬يواجه‭ ‬اليوم‭ ‬اختباراً‭ ‬نوعياً‭ ‬جديداً‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ملامح‭ ‬الحروب‭ ‬المستقبلية‭ ‬المتوقعة،‭ ‬التي‭ ‬تتسم‭ ‬بتعدد‭ ‬المجالات،‭ ‬شفافية‭ ‬ساحة‭ ‬المعركة،‭ ‬تصاعد‭ ‬دور‭ ‬النيران‭ ‬الدقيقة‭ ‬والمسيّرات‭ ‬واتساع‭ ‬نطاق‭ ‬القتال‭ ‬الحضري‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬تبرز‭ ‬ضرورة‭ ‬إعادة‭ ‬فحص‭ ‬دور‭ ‬وحدات‭ ‬المناورة‭ ‬البرية‭ – ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬المشاة‭ ‬والدروع‭ – ‬ومساءلة‭ ‬مدى‭ ‬صلاحية‭ ‬وملاءمة‭ ‬التنظيمات‭ ‬الحالية‭ ‬لهذه‭ ‬الوحدات‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬المهام‭ ‬القتالية‭ ‬المستقبلية،‭ ‬بوصف‭ ‬ذلك‭ ‬نقطة‭ ‬انطلاق‭ ‬أساسية‭ ‬لاستشراف‭ ‬مستقبل‭ ‬التشكيلات‭ ‬البرية‭ ‬في‭ ‬حروب‭ ‬عالية‭ ‬الكثافة‭ ‬ومعقّدة‭ ‬تقنياً‭ ‬وعملياتياً‭.‬

الحرب‭ ‬صراع‭ ‬منظّم‭ ‬بين‭ ‬إرادات‭ ‬متعارضة

توصف‭ ‬الحرب‭ ‬بأنها‭ ‬صراع‭ ‬منظّم‭ ‬بين‭ ‬إرادات‭ ‬متعارضة،‭ ‬وهو‭ ‬توصيف‭ ‬ظلّ‭ ‬ثابتاً‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬طرائق‭ ‬خوض‭ ‬هذا‭ ‬الصراع،‭ ‬وأشكال‭ ‬تنظيم‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية،‭ ‬شهدت‭ ‬تحوّلاً‭ ‬نوعياً‭ ‬منذ‭ ‬مطلع‭ ‬العقد‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭. ‬ففي‭ ‬أعقاب‭ ‬الحروب‭ ‬الطويلة‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وأفغانستان،‭ ‬ومع‭ ‬تسارع‭ ‬التطور‭ ‬التكنولوجي‭ ‬وعودة‭ ‬التنافس‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى،‭ ‬برز‭ ‬مفهوم‭ ‬الحرب‭ ‬متعددة‭ ‬المجالات‭ (‬Multi-Domain Warfare‭ / ‬Multi-Domain Operations‭)  ‬تدريجياً‭ ‬في‭ ‬الأدبيات‭ ‬العسكرية‭ ‬الغربية‭ – ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وحلف‭ ‬شمال‭ ‬الأطلسي‭ – ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الممتدة‭ ‬تقريباً‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬2015‭ ‬و2018،‭ ‬بوصفه‭ ‬استجابة‭ ‬فكرية‭ ‬وعقائدية‭ ‬لبيئة‭ ‬عملياتية‭ ‬باتت‭ ‬تتسم‭ ‬بتداخل‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬بين‭ ‬مجالات‭ ‬القتال‭ ‬المختلفة‭. ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬المعركة‭ ‬البرية‭ ‬مجالاً‭ ‬مستقلاً‭ ‬أو‭ ‬مكتفياً‭ ‬بذاته،‭ ‬بل‭ ‬غدت‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬منظومة‭ ‬عملياتية‭ ‬مترابطة‭ ‬تشمل‭ ‬المجال‭ ‬البري‭ ‬والجوي‭ ‬والبحري،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬المجالين‭ ‬السيبراني‭ ‬والفضائي،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬المجال‭ ‬المعلوماتي‭- ‬الإدراكي‭ ‬الذي‭ ‬يستهدف‭ ‬عملية‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭ ‬والإلمام‭ ‬بالموقف‭. ‬ونتيجة‭ ‬لهذا‭ ‬التحول‭ ‬البنيوي،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬تقييم‭ ‬فاعلية‭ ‬تشكيلات‭ ‬المشاة‭ ‬والدروع‭ – ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الألوية‭ – ‬مرتبطاً‭ ‬بالقوة‭ ‬النارية‭ ‬أو‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬المناورة‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬بمدى‭ ‬اندماجها‭ ‬ضمن‭ ‬شبكة‭ ‬عملياتية‭ ‬متعددة‭ ‬المجالات،‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬تبادل‭ ‬المعلومات‭ ‬آنياً،‭ ‬والتنسيق‭ ‬مع‭ ‬النيران‭ ‬بعيدة‭ ‬المدى،‭ ‬والعمل‭ ‬بفعالية‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬تتسم‭ ‬بالاستطلاع‭ ‬الدائم،‭ ‬وشفافية‭ ‬ساحة‭ ‬المعركة،‭ ‬والاشتباك‭ ‬المتزامن‭ ‬عبر‭ ‬مجالات‭ ‬مختلفة‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬يصبح‭ ‬استشراف‭ ‬مستقبل‭ ‬وحدات‭ ‬المناورة‭ ‬البرية‭ ‬مشروطاً‭ ‬بفهم‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬الحرب‭ ‬ذاتها،‭ ‬لا‭ ‬بالاكتفاء‭ ‬بتحديث‭ ‬المنصات‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬الهياكل‭ ‬التنظيمية‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬السياق‭ ‬العملياتي‭ ‬الأوسع‭.‬

الحروب‭ ‬المستقبلية

انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الإدراك‭ ‬المتغيّر‭ ‬لطبيعة‭ ‬الصراع،‭ ‬تبرز‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬المستقبلية‭ – ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الحروب‭ ‬الهجينة،‭ ‬التي‭ ‬تُعرَّف‭ ‬بوصفها‭ ‬نمط‭ ‬صراع‭ ‬يجمع‭ ‬بصورة‭ ‬متزامنة‭ ‬بين‭ ‬الوسائل‭ ‬العسكرية‭ ‬التقليدية‭ ‬والعمليات‭ ‬غير‭ ‬النظامية‭ ‬والأدوات‭ ‬المعلوماتية‭ ‬والسيبرانية‭ ‬والضغوط‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ – ‬بوصفها‭ ‬إطاراً‭ ‬حاسماً‭ ‬لاختبار‭ ‬قدرة‭ ‬التنظيمات‭ ‬القتالية‭ ‬القائمة‭ ‬واستعدادها‭ ‬الفعلي‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬تتسم‭ ‬بالتعقيد‭ ‬والتداخل‭ ‬بين‭ ‬المجالين‭ ‬العسكري‭ ‬وغير‭ ‬العسكري‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تشير‭ ‬التجارب‭ ‬الحديثة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ميدان‭ ‬القتال‭ ‬يتجه‭ ‬أولاً‭ ‬نحو‭ ‬شفافية‭ ‬قتالية‭ ‬شبه‭ ‬كاملة‭ (‬Battlefield Transparency‭) ‬نتيجة‭ ‬الانتشار‭ ‬الكثيف‭ ‬للمسيّرات،‭ ‬وتوافر‭ ‬الأقمار‭ ‬الصناعية‭ ‬التجارية،‭ ‬وتنامي‭ ‬قدرات‭ ‬الاستطلاع‭ ‬والمراقبة‭ ‬المستمرة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬مفهومي‭ ‬التمركز‭ ‬الآمن‭ (‬Secure Positioning‭) ‬والاحتياط‭ ‬المخفي‭ (‬Concealed‭ ‬Reserve‭)‬،‭ ‬وجعل‭ ‬التشكيلات‭ ‬الكبيرة‭ ‬والثقيلة‭ ‬أهدافاً‭ ‬عالية‭ ‬القيمة‭ ‬وسهلة‭ ‬الاكتشاف‭ ‬في‭ ‬النزاعات‭ ‬الهجينة‭ ‬وعالية‭ ‬الكثافة‭ ‬على‭ ‬السواء‭. ‬

ثانياً،‭ ‬يترافق‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬مع‭ ‬تصاعد‭ ‬نوعي‭ ‬في‭ ‬فاعلية‭ ‬النيران‭ ‬الدقيقة‭ ‬منخفضة‭ ‬الكلفة‭ – ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الصواريخ‭ ‬الموجّهة،‭ ‬والذخائر‭ ‬المتسكّعة‭ (‬Loitering munitions‭)‬،‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيّرة‭ ‬الهجومية‭ – ‬ما‭ ‬أفضى‭ ‬إلى‭ ‬اختلال‭ ‬بنيوي‭ ‬في‭ ‬معادلة‭ ‬الكلفة‭ – ‬الفاعلية‭ ‬بين‭ ‬الوسيلة‭ ‬المستهدِفة‭ ‬والمنصة‭ ‬المستهدَفة‭. ‬فقد‭ ‬أصبحت‭ ‬كلفة‭ ‬تحييد‭ ‬دبابة‭ ‬أو‭ ‬عربة‭ ‬مدرعة‭ ‬أقلّ‭ ‬بدرجة‭ ‬معتبرة‭ ‬من‭ ‬كلفة‭ ‬إنتاجها‭ ‬وتشغيلها‭ ‬ودعمها‭ ‬لوجستياً‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬دورة‭ ‬حياتها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفرض‭ ‬إعادة‭ ‬تقييم‭ ‬جوهرية‭ ‬لجدوى‭ ‬التشكيلات‭ ‬الثقيلة‭ ‬والضخمة‭ (‬Massed formations‭)‬،‭ ‬خاصة‭ ‬عندما‭ ‬تعمل‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬منظومة‭ ‬حماية‭ ‬شبكية‭ ‬متكاملة‭ ‬ومتعددة‭ ‬المجالات‭ ‬تتيح‭ ‬الاستشعار‭ ‬المبكر،‭ ‬توفير‭ ‬الدفاع‭ ‬النشط،‭ ‬وتحقيق‭ ‬التكامل‭ ‬بين‭ ‬النيران‭ ‬والقدرات‭ ‬عبر‭ ‬مختلف‭ ‬مجالات‭ ‬العمليات‭. ‬وأخيراً،‭ ‬تتجه‭ ‬الحروب‭ ‬المستقبلية‭ ‬نحو‭ ‬البيئة‭ ‬الحضرية‭ ‬بوصفها‭ ‬ساحة‭ ‬الصراع‭ ‬الرئيسية،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬توقعات‭ ‬ديموغرافية‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نحو‭ ‬70‭ % ‬من‭ ‬سكان‭ ‬العالم‭ ‬يعيشون‭ ‬في‭ ‬المدن،‭ ‬وهي‭ ‬بيئة‭ ‬تُقيّد‭ ‬حرية‭ ‬حركة‭ ‬الدروع،‭ ‬وتُضعف‭ ‬أهم‭ ‬ميزاتها،‭ ‬قوة‭ ‬الصدمة،‭ ‬وتُبرز‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬الدور‭ ‬الحاسم‭ ‬للمشاة‭ ‬في‭ ‬السيطرة،‭ ‬والتمييز،‭ ‬والتفاعل‭ ‬مع‭ ‬فضاء‭ ‬مدني‭ ‬شديد‭ ‬التعقيد‭. ‬ونتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬التحدي‭ ‬المطروح‭ ‬أمام‭ ‬الجيوش‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬تحديث‭ ‬المنصات‭ ‬أو‭ ‬زيادة‭ ‬النيران‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬مدى‭ ‬ملاءمة‭ ‬التنظيمات‭ ‬الحالية‭ ‬لوحدات‭ ‬المناورة‭ ‬البرية‭ – ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الحجم،‭ ‬والتوزيع،‭ ‬والمرونة‭ – ‬لطبيعة‭ ‬حرب‭ ‬هجينة‭ ‬ومكشوفة‭ ‬وعالية‭ ‬الكلفة‭ ‬التشغيلية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬فهم‭ ‬هذه‭ ‬السمات‭ ‬شرطاً‭ ‬أساسياً‭ ‬لإعادة‭ ‬تقييم‭ ‬الجاهزية‭ ‬وإعادة‭ ‬تصميم‭ ‬القوة‭ ‬البرية‭ ‬للمستقبل‭. ‬

إلى‭ ‬جانب‭ ‬ذلك،‭ ‬تبرز‭ ‬إمكانية‭ ‬تطوير‭ ‬تكتيكات‭ ‬تشكيلات‭ ‬المناورة‭ ‬البرية‭ ‬بالاستفادة‭ ‬من‭ ‬الخبرات‭ ‬التعبوية‭ ‬وأساليب‭ ‬القتال‭ ‬غير‭ ‬التقليدية‭ ‬والتنظيم‭ ‬المرن‭ ‬والعمل‭ ‬اللامركزي‭ ‬للوحدات‭ ‬ذات‭ ‬الطبيعة‭ ‬الخاصة‭. ‬فالتجارب‭ ‬العملياتية‭ ‬الحديثة‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬جدوى‭ ‬اعتماد‭ ‬وحدات‭ ‬فرعية‭ ‬أصغر‭ ‬حجماً‭ ‬وأكثر‭ ‬استقلالية،‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬كوحدات‭ ‬قتالية‭ ‬مكتفية‭ ‬ذاتياً‭ ‬نسبياً،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الاستطلاع،‭ ‬القيادة‭ ‬والسيطرة،‭ ‬الإسناد‭ ‬الناري‭ ‬الدقيق‭ ‬والدعم‭ ‬اللوجستي‭ ‬الميداني،‭ ‬مع‭ ‬الحفاظ‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬على‭ ‬قابليتها‭ ‬للاندماج‭ ‬السريع‭ ‬ضمن‭ ‬تشكيلات‭ ‬أكبر‭ ‬عند‭ ‬تطلّب‭ ‬الموقف‭ ‬العملياتي‭ ‬ذلك‭. ‬ويتيح‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬من‭ ‬التنظيم‭ – ‬المستوحى‭ ‬من‭ ‬مبادئ‭ ‬عمل‭ ‬القوات‭ ‬الخاصة‭ – ‬تعزيز‭ ‬سرعة‭ ‬القرار،‭ ‬تقليص‭ ‬التوقيع‭ ‬العملياتي،‭ ‬رفع‭ ‬قدرة‭ ‬الوحدات‭ ‬على‭ ‬الانتشار‭ ‬والمناورة‭ ‬في‭ ‬بيئات‭ ‬حضرية‭ ‬ومعقّدة،‭ ‬دون‭ ‬التضحية‭ ‬بإمكانية‭ ‬حشد‭ ‬التأثير‭ ‬القتالي‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬التشكيلات‭ ‬الميدانية‭. ‬وبذلك،‭ ‬لا‭ ‬يُنظر‭ ‬إلى‭ ‬اللامركزية‭ ‬والاستقلال‭ ‬التكتيكي‭ ‬بوصفهما‭ ‬بديلاً‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬المشترك،‭ ‬بل‭ ‬كآلية‭ ‬مكملة‭ ‬تُمكّن‭ ‬تشكيلات‭ ‬المناورة‭ ‬البرية‭ ‬من‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬المرونة‭ ‬التشغيلية‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الأدنى‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬التآزر‭ ‬القتالي‭ ‬ضمن‭ ‬تشكيلات‭ ‬أكبر،‭ ‬بما‭ ‬يعزّز‭ ‬قابلية‭ ‬التكيّف‭ ‬مع‭ ‬متطلبات‭ ‬الحروب‭ ‬المستقبلية‭ ‬المتغيّرة‭.‬

الحرب‭ ‬غير‭ ‬التقليدية

من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬إن‭ ‬التركيز‭ ‬المتزايد‭ ‬على‭ ‬أنماط‭ ‬الحرب‭ ‬غير‭ ‬التقليدية،‭ ‬والحروب‭ ‬الهجينة،‭ ‬والقدرات‭ ‬غير‭ ‬المتكافئة،‭ ‬ينبغي‭ ‬ألا‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬إغفال‭ ‬احتمالية‭ ‬اندلاع‭ ‬الحروب‭ ‬التقليدية‭ ‬عالية‭ ‬الكثافة،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬بدت‭ ‬فرص‭ ‬وقوعها‭ ‬أقل‭ ‬ترجيحاً‭ ‬نسبياً‭. ‬فقد‭ ‬أظهرت‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬بوضوح‭ ‬أن‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬جيوش‭ ‬نظامية،‭ ‬باستخدام‭ ‬تشكيلات‭ ‬مدرعة،‭ ‬ومدفعية‭ ‬كثيفة،‭ ‬ونيران‭ ‬بعيدة‭ ‬المدى،‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬ممكناً‭ ‬وذا‭ ‬أثر‭ ‬حاسم‭ ‬في‭ ‬ميزان‭ ‬القوى،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬سياقات‭ ‬التنافس‭ ‬بين‭ ‬الدول‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬كشفت‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬أن‭ ‬الصراع‭ ‬التقليدي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يُخاض‭ ‬بصورته‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬الصرفة،‭ ‬بل‭ ‬بات‭ ‬يتداخل‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬وثيق‭ ‬مع‭ ‬أدوات‭ ‬الحرب‭ ‬غير‭ ‬التقليدية،‭ ‬من‭ ‬مسيّرات‭ ‬منخفضة‭ ‬الكلفة،‭ ‬وحرب‭ ‬معلومات،‭ ‬وعمليات‭ ‬سيبرانية،‭ ‬واستهداف‭ ‬للبنية‭ ‬التحتية‭ ‬والعمق‭ ‬الاقتصادي‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬تفرض‭ ‬دروس‭ ‬حرب‭ ‬أوكرانيا‭ ‬ضرورة‭ ‬اعتماد‭ ‬مقاربة‭ ‬متوازنة‭ ‬لدى‭ ‬تصميم‭ ‬وبناء‭ ‬القوة‭ ‬البرية،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الجاهزية‭ ‬للحرب‭ ‬التقليدية‭ ‬عالية‭ ‬الشدة،‭ ‬دون‭ ‬التفريط‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬القدرات‭ ‬اللازمة‭ ‬لمواجهة‭ ‬أنماط‭ ‬الصراع‭ ‬غير‭ ‬التقليدية‭ ‬والهجينة،‭ ‬التي‭ ‬يُرجَّح‭ ‬أن‭ ‬تشكّل‭ ‬الشكل‭ ‬الأكثر‭ ‬احتمالاً‭ ‬للصراعات‭ ‬المستقبلية‭. ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬تقليدي‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬غير‭ ‬تقليدي‭ ‬يمثل‭ ‬شرطاً‭ ‬جوهرياً‭ ‬لضمان‭ ‬مرونة‭ ‬القوات‭ ‬البرية‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬الانتقال‭ ‬السلس‭ ‬عبر‭ ‬طيف‭ ‬الصراع،‭ ‬بدل‭ ‬حصرها‭ ‬في‭ ‬نموذج‭ ‬واحد‭ ‬قد‭ ‬يثبت‭ ‬قصوره‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬تحديات‭ ‬بيئة‭ ‬أمنية‭ ‬متغيرة‭ ‬وغير‭ ‬يقينية‭. ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تقدم،‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬استخلاص‭ ‬إطار‭ ‬استرشادي‭ ‬لعملية‭ ‬التحول‭ ‬المنشودة‭ ‬ارتكازاً‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬تنفيذ‭ ‬عملية‭ ‬مراجعة‭ ‬للقدرات‭ (‬Capability Review‭)‬،‭ ‬كشرط‭ ‬لازم‭ ‬لتقليل‭ ‬المخاطر‭ ‬التنظيمية‭ ‬المحتملة‭ ‬ولتجنب‭ ‬أي‭ ‬نتائج‭ ‬غير‭ ‬متوازنة‭ ‬لعملية‭ ‬التحول‭.‬

ويمكن‭ ‬تلخيص‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬في‭ ‬أربع‭ ‬مراحل‭ ‬متداخلة‭ ‬ومترابطة‭:‬

فهم‭ ‬بيئة‭ ‬الصراع‭ ‬المستقبلية‭ (‬Future Operating Environment Assessment‭):‬‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬البدء‭ ‬بتحديد‭ ‬السمات‭ ‬المرجعية‭ (‬المعيارية‭) ‬للحروب‭ ‬المحتملة‭ – ‬تقليدية،‭ ‬هجينة،‭ ‬وعالية‭ ‬الكثافة‭ – ‬وتحليل‭ ‬آثارها‭ ‬على‭ ‬المناورة‭ ‬البرية،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬التعرض‭ ‬للكشف،‭ ‬زمن‭ ‬القرار،‭ ‬أنماط‭ ‬التهديد،‭ ‬وطبيعة‭ ‬ميدان‭ ‬العمليات‭.‬

اختبار‭ ‬ملاءمة‭ ‬التنظيمات‭ ‬القائمة‭ (‬Organizational Stress Test‭):‬‭ ‬يكون‭ ‬ذلك‭ ‬بتقييم‭ ‬التشكيلات‭ ‬الحالية‭ – ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الحجم،‭ ‬القيادة‭ ‬والسيطرة،‭ ‬المرونة،‭ ‬وقابلية‭ ‬التجزئة‭ ‬وإعادة‭ ‬الاندماج‭ – ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬تلك‭ ‬السيناريوهات،‭ ‬بهدف‭ ‬تحديد‭ ‬مواطن‭ ‬القوة‭ ‬والقصور‭ ‬دون‭ ‬افتراض‭ ‬مسبق‭ ‬بالحاجة‭ ‬إلى‭ ‬التفكيك‭ ‬أو‭ ‬الإبقاء‭.‬

مراجعة‭ ‬القدرات‭ ‬الجوهرية‭ (‬Core Capability Review‭):‬‭ ‬تشمل‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬فحص‭ ‬القدرات‭ ‬العملياتية‭ ‬الحاسمة‭ (‬الاستشعار،‭ ‬القيادة‭ ‬والسيطرة،‭ ‬المناورة،‭ ‬النيران،‭ ‬الحماية،‭ ‬والاستدامة‭)‬،‭ ‬مع‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬تكاملها‭ ‬شبكياً،‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬المستقل‭ ‬وعلى‭ ‬الاندماج‭ ‬ضمن‭ ‬تشكيلات‭ ‬أكبر‭ ‬عند‭ ‬الضرورة‭. ‬يتم‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬تحليل‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬القدرات‭ ‬الحالية‭ ‬والمستقبلية‭ ‬متناسبة‭ ‬مع‭ ‬طبيعة‭ ‬الحرب‭ ‬المستقبلية‭ ‬كما‭ ‬يتم‭ ‬فيها‭ ‬تحديد‭ ‬تطبيقات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬المطلوبة‭ ‬ضمن‭ ‬خطط‭ ‬تطوير‭ ‬القدرات‭.‬

تحديد‭ ‬مسارات‭ ‬التحول‭ ‬التدريجي‭ (‬Phased Transformation Pathways‭):‬‭ ‬يجب‭ ‬تجنب‭ ‬الاستعجال‭ ‬والقفز‭ ‬إلى‭ ‬نماذج‭ ‬تنظيمية‭ ‬جديدة،‭ ‬واعتماد‭ ‬مسارات‭ ‬تحول‭ ‬تدريجية‭ ‬تسمح‭ ‬بتجريب‭ ‬أنماط‭ ‬تنظيمية‭ ‬وتكتيكية‭ ‬مختلفة‭ – ‬مثل‭ ‬الوحدات‭ ‬الفرعية‭ ‬شبه‭ ‬المستقلة،‭ ‬أو‭ ‬التشكيلات‭ ‬المعيارية‭ ‬المرنة‭ – ‬ضمن‭ ‬أطر‭ ‬تجريبية‭ ‬قابلة‭ ‬للتقييم‭ ‬والتعديل‭.‬

وعليه،‭ ‬إن‭ ‬التحول‭ ‬المطلوب‭ ‬في‭ ‬تشكيلات‭ ‬المناورة‭ ‬البرية‭ ‬ليس‭ ‬تحولاً‭ ‬شكلياً‭ ‬في‭ ‬الهياكل،‭ ‬ولا‭ ‬تحديثاً‭ ‬تقنياً‭ ‬للمنصات،‭ ‬بل‭ ‬عملية‭ ‬مؤسسية‭ ‬واعية‭ ‬تبدأ‭ ‬بمراجعة‭ ‬القدرات،‭ ‬وتُبنى‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬عميق‭ ‬لطبيعة‭ ‬الحرب،‭ ‬وتنتهي‭ ‬بقوة‭ ‬برية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬بفعالية‭ ‬عبر‭ ‬طيف‭ ‬واسع‭ ‬من‭ ‬الصراعات‭. ‬إن‭ ‬اعتماد‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬لا‭ ‬يضمن‭ ‬فقط‭ ‬مواءمة‭ ‬أفضل‭ ‬مع‭ ‬حروب‭ ‬المستقبل،‭ ‬بل‭ ‬يوفر‭ ‬أيضاً‭ ‬أساساً‭ ‬رشيداً‭ ‬لاتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬تطويرية‭ ‬متدرجة،‭ ‬متوازنة،‭ ‬وقابلة‭ ‬للاستدامة‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬أمنية‭ ‬تتسم‭ ‬بعدم‭ ‬اليقين‭ ‬وسرعة‭ ‬التحول‭.‬

لواء‭ ‬م‭/ ‬خالد‭ ‬علي‭ ‬السميطي

Facebook
WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض