map-with-american-flag-us-national-loyalty-day-celebration

الموازن من الخارج تحوّلات الدور العسكري الأمريكي العالمي بعد استراتيجية ترامب الجديدة للأمن القومي

لم‭ ‬تكد‭ ‬تصدر‭ ‬استراتيجية‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬الأمريكي‭ ‬لإدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب،‭ ‬في‭ ‬ديسمبر‭ ‬2025،‭ ‬حتى‭ ‬واجهت‭ ‬سيلاً‭ ‬من‭ ‬الانتقادات‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬المحللين‭ ‬الأمريكيين،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الانتقاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬الرسمي‭ ‬لها،‭ ‬وذلك‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬عدة،‭ ‬أبرزها‭ ‬أنها‭ ‬تمثل‭ ‬قطيعة‭ ‬مع‭ ‬السياسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬السابقة،‭ ‬وعدولاً‭ ‬عن‭ ‬النظام‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬القواعد،‭ ‬الذي‭ ‬أرسته‭ ‬الإدارات‭ ‬الأمريكية‭ ‬المتعاقبة‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬السابق،‭ ‬جو‭ ‬بايدن،‭ ‬باتجاه‭ ‬نظام‭ ‬مغاير‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬‮«‬الصفقات‮»‬،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬المتمعن‭ ‬في‭ ‬قراءة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬أنها‭ ‬تعبّر‭ ‬عن‭ ‬تيار‭ ‬قوي‭ ‬داخل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وتمثل‭ ‬انتقالاً‭ ‬من‭ ‬مبادئ‭ ‬‮«‬الهيمنة‭ ‬الليبرالية‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬قواعد‭ ‬المدرسة‭ ‬الواقعية‭ ‬لتعترف‭ ‬بصعود‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى،‭ ‬وأن‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬المثلى‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬تبني‭ ‬سياسات‭ ‬‮«‬توازن‭ ‬القوى‮»‬‭ ‬في‭ ‬اعتراف‭ ‬واضح‭ ‬بأن‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬بات‭ ‬نظاماً‭ ‬متعدد‭ ‬الأقطاب‭.‬

أصدرت‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي،‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب،‭ ‬استراتيجية‭ ‬جديدة‭ ‬للأمن‭ ‬القومي،‭ ‬في‭ ‬5‭ ‬ديسمبر‭ ‬2025،‭ ‬والتي‭ ‬تعكس‭ ‬أولويات‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬الساحة‭ ‬الدولية،‭ ‬وتعيد‭ ‬رسم‭ ‬سياسة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تجاه‭ ‬أقاليم‭ ‬العالم‭ ‬المختلفة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬ستترك‭ ‬تأثيراً‭ ‬مباشراً‭ ‬على‭ ‬الترتيبات‭ ‬الأمنية‭ ‬فيها‭. ‬فقد‭ ‬ركزت‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬على‭ ‬عدة‭ ‬مبادئ‭ ‬ذات‭ ‬صلة،‭ ‬منها‭ ‬نقل‭ ‬العبء‭ ‬الأمني‭ ‬إلى‭ ‬الحلفاء،‭ ‬ورفض‭ ‬مبدأ‭ ‬الهيمنة‭ ‬على‭ ‬العالم،‭ ‬وتركيز‭ ‬الحضور‭ ‬العسكري‭ ‬الأمريكي‭ ‬على‭ ‬نصف‭ ‬الكرة‭ ‬الغربي،‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬إحياء‭ ‬لمبدأ‭ ‬مونرو،‭ ‬وإن‭ ‬بصيغة‭ ‬معدلة‭. ‬وسوف‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬المفيد‭ ‬إلقاء‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬أبعاد‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬وانعكاساتها‭ ‬على‭ ‬منافسات‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى،‭ ‬وعلى‭ ‬الاستقرار‭ ‬في‭ ‬أقاليم‭ ‬العالم‭ ‬المختلفة‭.  ‬ومن‭ ‬أجل‭ ‬فهم‭ ‬هذه‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬وارتداداتها‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية،‭ ‬سوف‭ ‬يتم‭ ‬شرح‭ ‬السياق‭ ‬المصاحب‭ ‬لها،‭ ‬وأبرز‭ ‬المبادئ‭ ‬الحاكمة‭ ‬للانخراط‭ ‬العسكري‭ ‬الأمريكي‭ ‬حول‭ ‬العالم،‭ ‬وكذلك‭ ‬علاقاتها‭ ‬بالقوى‭ ‬الكبرى‭ ‬الأخرى،‭ ‬لاسيما‭ ‬روسيا‭ ‬والصين،‭ ‬وارتدادات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬على‭ ‬أقاليم‭ ‬العالم‭ ‬المختلفة‭. ‬وقبل‭ ‬الشروع‭ ‬في‭ ‬توضيح‭ ‬النقاط‭ ‬السابقة،‭ ‬سوف‭ ‬يتم‭ ‬الإشارة‭ ‬أولاً‭ ‬إلى‭ ‬أهمية‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬سياسات‭ ‬القوى‭ ‬العظمى‭. ‬

أولاً‭: ‬أهداف‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ‭ ‬

تاريخياً‭ ‬كان‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬على‭ ‬إنها‭ ‬العلم‭ ‬المعني‭ ‬بدراسة‭ ‬كيفية‭ ‬الانتصار‭ ‬في‭ ‬الحروب،‭ ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬وكما‭ ‬لاحظ،‭ ‬إدوارد‭ ‬ميد‭ ‬إيرل،‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬كانت‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬عنصراً‭ ‬رئيسياً‭ ‬لفن‭ ‬إدارة‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الأوقات،‭ ‬إذ‭ ‬أنه‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬التاريخ،‭ ‬صاغت‭ ‬الدول‭ ‬استراتيجيات‭ ‬وطبقتها‭ ‬لمنافسة‭ ‬خصومها‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬السلم،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬أثينا‭ ‬وأسبرطة‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الثالث‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد،‭ ‬وفرنسا‭ ‬وبريطانيا‭ ‬في‭ ‬القرنين‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭ ‬والتاسع‭ ‬عشر،‭ ‬وألمانيا‭ ‬والمملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬القرنين‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬والعشرين،‭ ‬وكذلك‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والمملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬القرنين‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬والعشرين،‭ ‬ثم‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬واليابان‭ ‬خلال‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬ثم‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والاتحاد‭ ‬السوفييتي‭ ‬خلال‭ ‬النصف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭. ‬

وفي‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الصراعات،‭ ‬مثل‭ ‬التنافس‭ ‬البريطاني‭ ‬–‭ ‬الأمريكي‭ ‬قد‭ ‬انتهى‭ ‬بشكل‭ ‬سلمي،‭ ‬فإن‭ ‬التنافس‭ ‬البريطاني‭ ‬–‭ ‬الألماني‭ ‬أدى،‭ ‬في‭ ‬النهاية،‭ ‬إلى‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬بين‭ ‬لندن‭ ‬وبرلين‭. ‬أما‭ ‬التنافس‭ ‬الأمريكي‭ ‬–‭ ‬السوفييتي،‭ ‬فقد‭ ‬ولّد‭ ‬صراعات‭ ‬بالوكالة‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬وسلام‭ ‬بارد‭.  ‬وتعرّف‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الكبرى‭ ‬على‭ ‬إنها‭ ‬‮«‬التنسيق‭ ‬بين‭ ‬أدوات‭ ‬قوة‭ ‬الدولة‭ ‬لتحقيق‭ ‬أهداف‭ ‬سياسية‮»‬،‭ ‬أما‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬العسكرية،‭ ‬فهي‭ ‬توظف‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬لخدمة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الكبرى‭. ‬وتتوقف‭ ‬درجة‭ ‬نجاح‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬على‭ ‬قدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬تحديد‭ ‬هدف‭ ‬سياسي‭ ‬واضح،‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬تقييم‭ ‬الميزة‭ ‬النسبية‭ ‬مقارنة‭ ‬بالعدو،‭ ‬وحساب‭ ‬التكلفة‭ ‬والعائد‭ ‬بدقة،‭ ‬وكذلك‭ ‬تحليل‭ ‬المخاطر‭ ‬والفوائد‭ ‬المحتملة‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬تبني‭ ‬استراتيجيات‭ ‬بديلة‭. ‬

لذلك‭ ‬أشارت‭ ‬استراتيجية‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬الأمريكية‭ ‬الجديدة‭ ‬على‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأسئلة‭ ‬في‭ ‬البداية،‭ ‬والتي‭ ‬يتوجب‭ ‬الإجابة‭ ‬عليها،‭ ‬وهي‭:‬

ماذا‭ ‬تريد‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ (‬الأهداف‭)‬؟

ما‭ ‬هي‭ ‬الأدوات‭ ‬المتاحة‭ ‬لتحقيق‭ ‬ما‭ ‬تريده؟

كيف‭ ‬يمكن‭ ‬ربط‭ ‬الغايات‭ ‬والوسائل‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬استراتيجية‭ ‬أمن‭ ‬قومي‭ ‬ناجحة‭ (‬الطرق‭)‬؟

وتوحي‭ ‬هذه‭ ‬الأسئلة‭ ‬بأن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬تحديد‭ ‬أهداف‭ ‬واضحة‭ ‬ومحددة،‭ ‬وليس‭ ‬واسعة،‭ ‬ولذلك‭ ‬عرّفت‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬على‭ ‬إنها‭ ‬‮«‬حماية‭ ‬المصالح‭ ‬الوطنية‭ ‬الجوهرية‮»‬،‭ ‬وأن‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬مناط‭ ‬التركيز‭ ‬الوحيد‭ ‬للوثيقة،‭ ‬في‭ ‬مؤشر‭ ‬ضمني‭ ‬على‭ ‬تخلي‭ ‬واشنطن‭ ‬عن‭ ‬السعي‭ ‬وراء‭ ‬أهداف‭ ‬واسعة‭ ‬مثل‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬القيم‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬أو‭ ‬إدامة‭ ‬الهيمنة‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭.  ‬ويمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الأمريكية‭ ‬الجديدة‭ ‬وضعت‭ ‬هدفاً‭ ‬واضحاً،‭ ‬وهو‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬التفوق‭ ‬الأمريكي،‭ ‬إذ‭ ‬أكد‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬أن‭ ‬‮«‬هذه‭ ‬الوثيقة‭ ‬هي‭ ‬خريطة‭ ‬لضمان‭ ‬أن‭ ‬أمريكا‭ ‬سوف‭ ‬تظل‭ ‬الأعظم‭ ‬والأنجح‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬البشرية‮»‬،‭ ‬مضيفاً‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬‮«‬في‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة،‭ ‬ستواصل‭ ‬واشنطن‭ ‬تطوير‭ ‬كل‭ ‬جانب‭ ‬من‭ ‬جوانب‭ ‬قوتها‭ ‬الوطنية‭ – ‬وسنجعل‭ ‬أمريكا‭ ‬أكثر‭ ‬أمناً،‭ ‬وأكثر‭ ‬ثراءً،‭ ‬وأكثر‭ ‬حريةً،‭ ‬وأعظم‭ ‬شأناً،‭ ‬وأكثر‭ ‬قوةً‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‮»‬‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬ما‭ ‬سبق،‭ ‬يمثل‭ ‬الغاية‭ ‬أو‭ ‬الهدف‭ ‬الرئيس‭ ‬لواشنطن،‭ ‬فإن‭ ‬طريقة‭ ‬تحقيقها،‭ ‬تتمثل‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬السعي‭ ‬لتحقيق‭ ‬الهيمنة‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬توازن‭ ‬القوى‭. ‬وتمثل‭ ‬هذه‭ ‬النقطة‭ ‬تحديداً‭ ‬في‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الجديدة‭ ‬‮«‬قطيعة‭ ‬مع‭ ‬الماضي‮»‬،‭ ‬خاصة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬السابق،‭ ‬جو‭ ‬بايدن‭.‬

أما‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالأدوات،‭ ‬فتتمثل‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬كافة‭ ‬أدوات‭ ‬القوة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬مع‭ ‬التركيز‭ ‬بشكل‭ ‬أساسي‭ ‬على‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية،‭ ‬لردع‭ ‬الخصوم،‭ ‬ومنع‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬حول‭ ‬تايوان،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬والقوة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬لتأكيد‭ ‬جاذبية‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬باعتبارها‭ ‬شريك‭ ‬لدول‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬القوى‭ ‬الأخرى‭ ‬المناوئة،‭ ‬خاصة‭ ‬الصين،‭ ‬والقوة‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إحلال‭ ‬السلام‭ ‬حول‭ ‬العالم،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الوساطة‭ ‬بين‭ ‬روسيا‭ ‬وأوروبا‭ ‬للتوصل‭ ‬لتسوية‭ ‬للحرب‭ ‬الروسية‭ ‬–‭ ‬الأوكرانية‭. ‬كما‭ ‬لا‭ ‬تغفل‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬القوة‭ ‬الناعمة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وكذلك‭ ‬الأداة‭ ‬الاستخباراتية،‭ ‬إذ‭ ‬سوف‭ ‬يقع‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬مجتمع‭ ‬الاستخبارات‭ ‬الأمريكي‭ ‬مسؤولية‭ ‬رقابة‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬الرئيسية‭ ‬ومجالات‭ ‬التقدم‭ ‬التكنولوجي‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬لضمان‭ ‬قدرة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬التهديدات‭ ‬والمخاطر‭ ‬لأمن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وازدهارها‭. ‬وبالتالي،‭ ‬فإن‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الجديدة‭ ‬تعلي‭ ‬من‭ ‬توظيف‭ ‬أدوات‭ ‬القوة‭ ‬جميعها‭ ‬بهدف‭ ‬واحد،‭ ‬وهي‭ ‬تجنب‭ ‬التورط‭ ‬في‭ ‬حروب‭ ‬جديدة‭ ‬تشغل‭ ‬واشنطن‭ ‬عن‭ ‬منافسة‭ ‬الصين‭. ‬

ثانياً‭: ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬الافتراضات‭ ‬الخاطئة‭ ‬

رأت‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬افتراضان‭ ‬خاطئان‭ ‬تبنته‭ ‬الإدارات‭ ‬السابقة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬أخطاء‭ ‬جسيمة‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الأمريكية‭. ‬أشارت‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬صراحة‭ ‬إلى‭ ‬أحد‭ ‬هذين‭ ‬الافتراضين،‭ ‬والذي‭ ‬ساد‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬ثلاث‭ ‬عقود،‭ ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬‮«‬فتح‭ ‬الأسواق‭ ‬الأمريكية‭ ‬أمام‭ ‬الصين،‭ ‬وتشجيع‭ ‬الشركات‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬الاستثمار‭ ‬فيها،‭ ‬ونقل‭ ‬الصناعات‭ ‬الأمريكية‭ ‬إليها،‭ ‬سيُسهِّل‭ ‬دخول‭ ‬الصين‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يُسمى‭ ‬‮«‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬القواعد‮»‬‭. ‬أكدت‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬خطأ‭ ‬هذا‭ ‬الافتراض،‭ ‬إذ‭ ‬أصبحت‭ ‬الصين‭ ‬غنية‭ ‬وقوية،‭ ‬واستعملت‭ ‬ثروتها‭ ‬وقوتها‭ ‬لتحقيق‭ ‬مكاسب‭ ‬كبيرة‭. ‬وأكدت‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬أن‭ ‬النخب‭ ‬الأمريكية،‭ ‬عبر‭ ‬أربع‭ ‬إدارات‭ ‬متعاقبة‭ ‬من‭ ‬كلا‭ ‬الحزبين‭ ‬السياسيين،‭ ‬كانت‭ ‬إما‭ ‬شركاء‭ ‬متواطئين‭ ‬في‭ ‬استراتيجية‭ ‬الصين،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬إنكار‮»‬‭. ‬

أما‭ ‬الافتراض‭ ‬الأخر،‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬تسطره‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬صراحة‭ ‬في‭ ‬استراتيجيتها،‭ ‬ويرتبط‭ ‬بالإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬السابقة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيرها،‭ ‬وهي‭ ‬أنه‭ ‬يمكن‭ ‬الانتصار‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬سريعة‭ ‬ضد‭ ‬روسيا‭ ‬عبر‭ ‬دعم‭ ‬حلف‭ ‬شمال‭ ‬الأطلسي‭ ‬لأوكرانيا،‭ ‬دبلوماسياً‭ ‬وعسكرياً‭ ‬واقتصادياً‭. ‬دأب‭ ‬ترامب‭ ‬على‭ ‬مهاجمة‭ ‬هذا‭ ‬الافتراض‭ ‬في‭ ‬تصريحاته‭ ‬المختلفة‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬مرة،‭ ‬إذ‭ ‬أكد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬هي‭ ‬حرب‭ ‬بايدن،‭ ‬وأن‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬لتحدث‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬رئيساً‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وأن‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الانتصار‭ ‬فيها‭. ‬

أدى‭ ‬الافتراض‭ ‬الضمني‭ ‬السابق‭ ‬إلى‭ ‬تبني‭ ‬واشنطن‭ ‬موقفاً‭ ‬مغايراً‭ ‬من‭ ‬موسكو،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الأولى‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬الأخيرة‭ ‬باعتبارها‭ ‬تهديداً،‭ ‬بل‭ ‬نصبت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬نفسها‭ ‬باعتبارها‭ ‬وسيطاً‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬موسكو‭ ‬وأوروبا،‭ ‬إذ‭ ‬نصت‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬سوف‭ ‬تقوم‭ ‬بانخراط‭ ‬دبلوماسي‭ ‬كبير‭ ‬لوضع‭ ‬شروط‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬في‭ ‬الأراضي‭ ‬الأوراسية‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تقليل‭ ‬مخاطر‭ ‬اندلاع‭ ‬صراع‭ ‬بين‭ ‬روسيا‭ ‬والدول‭ ‬الأوروبية‮»‬،‭ ‬وذلك‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أكدت‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬‮«‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬روسيا‭ ‬باعتبارها‭ ‬تهديداً‭ ‬وجودياً‮»‬،‭ ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬إدارة‭ ‬ترمب‭ ‬لا‭ ‬تشاطر‭ ‬أوروبا‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭. ‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬وضعت‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬عدة‭ ‬افتراضات،‭ ‬أولها‭ ‬أن‭ ‬منطقة‭ ‬المحيطين‭ ‬الهندي‭ ‬–‭ ‬الهادئ‭ ‬ستظل‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬ساحات‭ ‬الصراع‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والجيوسياسية‭ ‬الرئيسية‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬المقبل،‭ ‬نظراً‭ ‬لأن‭ ‬المنطقة‭ ‬تُعد‭ ‬مصدراً‭ ‬لما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬العالمي،‭ ‬وفقاً‭ ‬لتعادل‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية،‭ ‬وثلثه‭ ‬تقريباً،‭ ‬وفقاً‭ ‬للقيمة‭ ‬الاسمية‭. ‬كما‭ ‬من‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحصة‭ ‬ستزداد‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭. ‬وافترضت‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬ازدهار‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬فإنه‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تنافس‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬المحيطين‭ ‬الهندي‭ ‬–‭ ‬الهادئ،‭ ‬وأن‭ ‬واشنطن‭ ‬تمتلك‭ ‬القوة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والعسكرية‭ ‬والتقنية‭ ‬والقوة‭ ‬الناعمة‭ ‬والدعم‭ ‬التاريخي‭ ‬للحلفاء‭ ‬والشركاء،‭ ‬والذي‭ ‬يؤهل‭ ‬واشنطن‭ ‬للفوز‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المنافسة‭. ‬تجدر‭ ‬الإشارة‭ ‬هنا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬هو‭ ‬المنافس‭ ‬الرئيس‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬هناك،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬عمدت‭ ‬إلى‭ ‬إغفال‭ ‬ذكرها‭ ‬صراحة‭. ‬

أما‭ ‬الافتراض‭ ‬الثاني‭ ‬للاستراتيجية،‭ ‬فهو‭ ‬أنه‭ ‬إذا‭ ‬ظلت‭ ‬أمريكا‭ ‬على‭ ‬مسار‭ ‬نمو،‭ ‬مع‭ ‬حفاظها‭ ‬على‭ ‬علاقة‭ ‬اقتصادية‭ ‬مع‭ ‬بكين‭ ‬مفيدة‭ ‬للطرفين‭ ‬حقاً،‭ ‬فيجب‭ ‬أن‭ ‬ينمو‭ ‬حجم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأمريكي‭ ‬البالغ‭ ‬30‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2025‭ ‬إلى‭ ‬40‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭ ‬خلال‭ ‬العقد‭ ‬الرابع‭ ‬من‭ ‬الألفية‭ ‬الثانية،‭ ‬مما‭ ‬يحافظ‭ ‬على‭ ‬وضع‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأمريكي‭ ‬كأكبر‭ ‬اقتصاد‭ ‬في‭ ‬العالم‭ .‬

ثالثاً‭: ‬حماية‭ ‬المصالح‭ ‬الأمريكية

نصت‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الأمريكية‭ ‬السابقة‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬إدارة‭ ‬بايدن،‭ ‬والصادرة‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2022،‭ ‬على‭ ‬عدة‭ ‬مصالح‭ ‬أبرزها‭ ‬حماية‭ ‬الشعب‭ ‬الأمريكي،‭ ‬وتوسيع‭ ‬الفرص‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬القيم‭ ‬الديمقراطية‭. ‬ولتحقيق‭ ‬هذه‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬تركيز‭ ‬على‭ ‬تقوية‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والتحالفات،‭ ‬والانتصار‭ ‬في‭ ‬المنافسة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬مثل‭ ‬روسيا‭ ‬والصين‭. ‬

ويبدو‭ ‬أن‭ ‬ترامب‭ ‬رأى‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬الأهداف‭ ‬عامة‭ ‬وغير‭ ‬واقعية،‭ ‬مثل‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬القيم‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬أو‭ ‬الانتصار‭ ‬على‭ ‬روسيا‭. ‬لذا‭ ‬أكدت‭ ‬استراتيجية‭ ‬ترامب‭ ‬على‭ ‬مصالح‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬والتي‭ ‬عرفتها‭ ‬بشكل‭ ‬محدد،‭ ‬وواضح،‭ ‬على‭ ‬إنها‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬استقرار‭ ‬نصف‭ ‬الكرة‭ ‬الغربي،‭ ‬لمنع‭ ‬الهجرة‭ ‬الجماعية‭ ‬إلى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬منع‭ ‬التواجد‭ ‬الأجنبي‭ ‬المعادي‭ ‬للمصالح‭ ‬الأمريكية‭ ‬هناك‭. ‬ورأت‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬كذلك‭ ‬أنه‭ ‬يدخل‭ ‬ضمن‭ ‬المصالح‭ ‬الأمريكية‭ ‬وقف‭ ‬الضرر‭ ‬الذي‭ ‬يفرضه‭ ‬الفاعلون‭ ‬الأجانب‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأمريكي،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬ضمنية‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬الحلفاء‭ ‬والخصوم‭ (‬مثل‭ ‬الصين‭) ‬مزايا‭ ‬غير‭ ‬عادلة‭ ‬في‭ ‬التجارة‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬كما‭ ‬أكدت‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬على‭ ‬ضمان‭ ‬حرية‭ ‬الملاحة،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬ضمنية‭ ‬إلى‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الممرات‭ ‬المائية‭ ‬حول‭ ‬العالم،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬أسيا‭ ‬محمية‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬اعتداءات‭ ‬أو‭ ‬تحكم‭ ‬من‭ ‬قوى‭ ‬أجنبية‭. ‬

ويأتي‭ ‬من‭ ‬ضمن‭ ‬المصالح‭ ‬التي‭ ‬نصت‭ ‬عليها‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬كذلك‭ ‬استعادة‭ ‬أوروبا‭ ‬هويتها‭ ‬الغربية،‭ ‬ومنع‭ ‬الهيمنة‭ ‬على‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وخاصة‭ ‬إمدادات‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭. ‬وأخيراً،‭ ‬استمرار‭ ‬ريادة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬للعالم‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬الحيوية‭ ‬والحوسبة‭ ‬الكمومية‭. ‬

أما‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالتهديدات،‭ ‬أعادت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تعريف‭ ‬التهديدات‭ ‬بشكل‭ ‬أقل‭ ‬حدة‭ ‬عن‭ ‬الاستراتيجيات‭ ‬السابقة،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تعرف‭ ‬روسيا‭ ‬والصين‭ ‬باعتبارهما‭ ‬مهددين‭ ‬للأمن‭ ‬القومي‭ ‬الأمريكي،‭ ‬بل‭ ‬وعند‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬أشارت‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬تنافس‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬‮«‬مناورات‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬سعي‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬إلى‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬اللهجة‭ ‬التصعيدية‭ ‬مع‭ ‬روسيا‭ ‬والصين‭. ‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬نصت‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬مواجهة‭ ‬واشنطن‭ ‬التهديدات‭ ‬النابعة‭ ‬من‭ ‬الدولتين،‭ ‬فقد‭ ‬أشارت‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬‮«‬ستمنع‭ ‬المنافسين‭ ‬غير‭ ‬المنتمين‭ ‬إلى‭ ‬نصف‭ ‬الكرة‭ ‬الغربي‭ ‬من‭ ‬نشر‭ ‬قوات‭ ‬أو‭ ‬قدرات‭ ‬مهددة‭ ‬أخرى،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬امتلاك‭ ‬أو‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬أصول‭ ‬استراتيجية‭ ‬حيوية‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعد‭ ‬إشارة‭ ‬ضمنية‭ ‬إلى‭ ‬روسيا‭ ‬والصين،‭ ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬الأولى‭ ‬تتمتع‭ ‬بعلاقات‭ ‬دفاعية‭ ‬مع‭ ‬بعض‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬المناوئة‭ ‬لواشنطن،‭ ‬مثل‭ ‬فنزويلا،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬الثانية،‭ ‬تسعى‭ ‬للتمدد‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬استراتيجية‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬اللاتينية،‭ ‬مثل‭ ‬قناة‭ ‬بنما‭. ‬وأشارت‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬إلى‭ ‬أهمية‭ ‬تعزيز‭ ‬الانتشار‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬اللاتينية‭ ‬لمواجهة‭ ‬‮«‬التهديدات‭ ‬العاجلة‮»‬‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬كما‭ ‬أكدت‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬في‭ ‬موضع‭ ‬أخر‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬‮«‬شؤون‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى‮»‬‭ ‬سوف‭ ‬تمثل‭ ‬هواجساً‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬فقط‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬أنشطة‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬تهدد‭ ‬مصالحنا‭ .‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬فإن‭ ‬أكبر‭ ‬تهديد‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬نابع‭ ‬من‭ ‬الحدود،‭ ‬وتحديداً‭ ‬ما‭ ‬وصفته‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬الغزو‮»‬،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬الهجرة‭ ‬غير‭ ‬المنضبطة،‭ ‬ولكن‭ ‬كذلك‭ ‬للتهديدات‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود‭ ‬الأخرى،‭ ‬مثل‭ ‬الإرهاب‭ ‬والمخدرات‭ ‬والتجسس‭ ‬والإتجار‭ ‬في‭ ‬البشر‭. ‬ويلاحظ‭ ‬أن‭ ‬الهجرة‭ ‬تشغل‭ ‬هاجساً‭ ‬رئيساً‭ ‬عند‭ ‬ترامب‭ ‬لأنها‭ ‬تضعف‭ ‬من‭ ‬الهوية‭ ‬الغربية‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والدول‭ ‬الأوروبية،‭ ‬وهي‭ ‬نقطة‭ ‬سيتم‭ ‬تفصيلها‭ ‬لاحقاً‭.‬

رابعاً‭: ‬الموازن‭ ‬من‭ ‬الخارج

تعكس‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الجديدة‭ ‬إيماناً‭ ‬قوياً‭ ‬بمبادئ‭ ‬المدرسة‭ ‬الواقعية،‭ ‬بدءاً‭ ‬من‭ ‬التسليم‭ ‬بتحوّل‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬متعدد‭ ‬الأقطاب،‭ ‬والتخلي‭ ‬عن‭ ‬محاولات‭ ‬إدامة‭ ‬الهيمنة‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬وهي‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬التي‭ ‬ظلت‭ ‬حاكمة‭ ‬للإدارات‭ ‬الأمريكية‭ ‬المتعاقبة،‭ ‬بدءاً‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬جورج‭ ‬بوش‭ ‬الأبن،‭ ‬وسياسته‭ ‬الخارجية‭ ‬والأمنية،‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬الأحادية،‭ ‬والميل‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬النظم‭ ‬المناوئة‭ ‬لواشنطن‭ ‬تحت‭ ‬ستار‭ ‬نشر‭ ‬الديمقراطية‭ ‬حول‭ ‬العالم،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬دعمها‭ ‬النشط‭ ‬لتوسيع‭ ‬حلف‭ ‬شمال‭ ‬الأطلسي‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬السوفييتي،‭ ‬وتبنيها‭ ‬لمشاريع‭ ‬تهدد‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬مثل‭ ‬الدفاع‭ ‬الصاروخي،‭ ‬والذي‭ ‬كان‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬تقويض‭ ‬مبدأ‭ ‬الردع‭ ‬بين‭ ‬واشنطن‭ ‬وموسكو‭. ‬

ولم‭ ‬تختلف‭ ‬السياسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬زمن‭ ‬إدارتي‭ ‬باراك‭ ‬أوباما‭ ‬وجو‭ ‬بايدن‭ ‬عن‭ ‬السياسة‭ ‬السابقة،‭ ‬إذ‭ ‬نصت‭ ‬استراتيجية‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬بايدن‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬النقطة‭ ‬تحديداً،‭ ‬وذلك‭ ‬بإشارتها‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬أمة‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬أفضل‭ ‬لكي‭ ‬تقود‭ ‬العالم‭ ‬بقوة‭ ‬ورؤية‭ ‬واضحة‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‮»‬،‭ ‬وكذلك‭ ‬إشارتها‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬‮«‬حقبة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬قد‭ ‬انتهت‭ ‬بشكلٍ‭ ‬حاسم،‭ ‬وهناك‭ ‬منافسة‭ ‬جارية‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬لتشكيل‭ ‬ما‭ ‬سيأتي‭ ‬لاحقاً‭. ‬ولا‭ ‬توجد‭ ‬دولة‭ ‬تتمتع‭ ‬بموقع‭ ‬أفضل‭ ‬لتحقيق‭ ‬النجاح‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المنافسة‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‮»‬،‭ ‬فالصيغتان‭ ‬السابقتان،‭ ‬وإن‭ ‬أقرت‭ ‬بتحوّل‭ ‬شكل‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬وتعترف‭ ‬بصعود‭ ‬المنافسة‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى،‭ ‬فإنها‭ ‬لم‭ ‬تتخل‭ ‬عن‭ ‬مساعي‭ ‬الهيمنة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتضح‭ ‬من‭ ‬تأكيدها‭ ‬أن‭ ‬واشنطن‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬أفضل‭ ‬للفوز‭ ‬بهذه‭ ‬الحرب‭. ‬

وعلى‭ ‬النقيض‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬تخلت‭ ‬عن‭ ‬طموح‭ ‬الهيمنة،‭ ‬والذي‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬إنهاك‭ ‬القوة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬ويتضح‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬مراجعة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تشر‭ ‬صراحة‭ ‬إلى‭ ‬صعود‭ ‬منافسات‭ ‬القوى‭ ‬العظمى،‭ ‬ولو‭ ‬لمرة‭ ‬واحدة،‭ ‬بل‭ ‬أشارت‭ ‬في‭ ‬مرة‭ ‬واحدة‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬التنافس‭ ‬الاستراتيجي‮»‬،‭ ‬مع‭ ‬إشارة‭ ‬ضمنية،‭ ‬وليست‭ ‬صريحة،‭ ‬إلى‭ ‬الصين،‭ ‬إذ‭ ‬رأت‭ ‬أن‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬توازن‭ ‬قوى‭ ‬تقليدي‭ ‬مواتٍ‭ ‬لواشنطن‭ ‬يظل‭ ‬عنصر‭ ‬ضروري‭ ‬للتنافس‭ ‬الاستراتيجي،‭ ‬ثم‭ ‬تحدثت‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬ذلك‭ ‬عن‭ ‬أهمية‭ ‬تايوان‭. ‬

ومن‭ ‬جهة‭ ‬ثانية،‭ ‬تتخذ‭ ‬استراتيجية‭ ‬ترامب‭ ‬نبرة‭ ‬أكثر‭ ‬تصالحية‭ ‬تجاه‭ ‬المنافسين،‭ ‬إذ‭ ‬يصوّر‭ ‬التحدي‭ ‬على‭ ‬إنه‭ ‬‮«‬إدارة‭ ‬العلاقات‭ ‬الأوروبية‭ ‬مع‭ ‬روسيا‮»‬‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬‮«‬إعادة‭ ‬التوازن‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬لأمريكا‭ ‬مع‭ ‬الصين‮»‬‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬يقدّم‭ ‬‮«‬التأثير‭ ‬المفرط‭ ‬للدول‭ ‬الأكبر‭ ‬والأغنى‭ ‬والأقوى‮»‬‭ ‬باعتباره‭ ‬‮«‬حقيقة‭ ‬أزلية‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬تسليم‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بتحوّل‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬متعدد‭ ‬الأقطاب،‭ ‬لذا‭ ‬ترفض‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬‮«‬مفهوم‭ ‬الهيمنة‭ ‬العالمية‭ ‬الذي‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬مآله‭ ‬إلا‭ ‬الفشل‮»‬‭ ‬وتدعم‭ ‬‮«‬توازنات‭ ‬القوى‭ ‬العالمية‭ ‬والإقليمية‮»‬‭. ‬والمغزى‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أقل‭ ‬تركيزاً‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬وأكثر‭ ‬انفتاحاً‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬مناطق‭ ‬النفوذ‭ .‬

وتكشف‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬المواقف‭ ‬عن‭ ‬انتقاد‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬لرؤية‭ ‬النخب‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬التالية‭ ‬على‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬تعتقد‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬الهيمنة‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬يخدم‭ ‬مصالح‭ ‬واشنطن‭. ‬ولذلك‭ ‬تؤكد‭ ‬استراتيجية‭ ‬ترامب‭ ‬الجديدة،‭ ‬وبحزم،‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ترفض‭ ‬مفهوم‭ ‬الهيمنة‭ ‬لنفسها،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬بالتبعية‭ ‬يعني‭ ‬كذلك‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬سوف‭ ‬تسعى‭ ‬لمنع‭ ‬أي‭ ‬قوة‭ ‬من‭ ‬الهيمنة‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬توازن‭ ‬القوى‭ ‬الدولي‭ ‬والإقليمي،‭ ‬عبر‭ ‬العمل‭ ‬مع‭ ‬الحلفاء‭ ‬والشركاء‭ .‬

وهنا‭ ‬تلعب‭ ‬التحالفات‭ ‬دوراً‭ ‬محورياً‭ ‬في‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬ولكن‭ ‬مع‭ ‬اختلافات‭ ‬واضحة،‭ ‬بين‭ ‬دور‭ ‬التحالفات‭ ‬في‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الأمريكية‭ ‬زمن‭ ‬الإدارات‭ ‬السابقة،‭ ‬ودورها‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬ترامب،‭ ‬إذ‭ ‬أنه‭ ‬منذ‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬شكّلت‭ ‬التحالفات،‭ ‬سواء‭ ‬بشكل‭ ‬رسمي،‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬رسمي،‭ ‬محوراً‭ ‬أساسياً‭ ‬في‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الكبرى‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬واعتقد‭ ‬الرؤساء‭ ‬المتعاقبون‭ ‬على‭ ‬حكم‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الاتجاهات‭ ‬السياسية،‭ ‬أن‭ ‬التحالفات‭ ‬الرسمية‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬وشرق‭ ‬آسيا،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الالتزامات‭ ‬غير‭ ‬الرسمية‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬تُعد‭ ‬ضرورة‭ ‬لحماية‭ ‬المصالح‭ ‬الأمريكية،‭ ‬إذ‭ ‬أنها‭ ‬تساعد‭ ‬واشنطن‭ ‬على‭ ‬الإفلات‭ ‬من‭ ‬فوضى‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬وما‭ ‬يستتبعه‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬مخاطر‭ ‬قد‭ ‬ترتد‭ ‬على‭ ‬الداخل‭ ‬الأمريكي‭ ‬نفسه‭. ‬

ووفقاً‭ ‬لوجهة‭ ‬النظر‭ ‬هذه،‭ ‬فإن‭ ‬التكاليف‭ ‬السياسية‭ ‬والعسكرية‭ ‬التي‭ ‬تتحملها‭ ‬واشنطن‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬التحالفات‭ ‬تعد‭ ‬ضئيلة،‭ ‬مقارنة‭ ‬بتكاليف‭ ‬الحروب‭ ‬والصراعات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تترتب‭ ‬على‭ ‬تراجع‭ ‬الدور‭ ‬الأمريكي‭. ‬وبالتالي،‭ ‬مثّل‭ ‬هذا‭ ‬الاعتقاد‭ ‬الراسخ‭ ‬حلاً‭ ‬سحرياً‭ ‬لواشنطن،‭ ‬إذ‭ ‬أنها‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬طمأنة‭ ‬الحلفاء‭ ‬وردع‭ ‬الخصوم،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬رأت‭ ‬أن‭ ‬حلفاء‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬استغلوا‭ ‬هذه‭ ‬التحالفات،‭ ‬ودفعوا‭ ‬واشنطن‭ ‬لتحمل‭ ‬العبء‭ ‬الأمني‭ ‬الأكبر،‭ ‬وتحولوا‭ ‬إلى‭ ‬راكبين‭ ‬مجانيين‭ ‬للمظلة‭ ‬الأمنية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬بل‭ ‬وورطوها‭ ‬أحياناً‭ ‬في‭ ‬صراعات‭ ‬لا‭ ‬تخدم‭ ‬المصالح‭ ‬الأمريكية‭. ‬ولذلك،‭ ‬شرعت‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬لتغيير‭ ‬سياساتها‭ ‬ودفع‭ ‬الحلفاء‭ ‬إلى‭ ‬لعب‭ ‬دور‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬التحالفات،‭ ‬عبر‭ ‬رفع‭ ‬إنفاقهم‭ ‬الدفاعي‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭.‬

وتقترب‭ ‬رؤية‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬تلك‭ ‬من‭ ‬فكرة‭ ‬‮«‬الموازن‭ ‬من‭ ‬الخارج‮»‬‭ (‬Offshore Balancer‭)‬،‭ ‬والتي‭ ‬طرحها‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬جون‭ ‬ميرشايمر‭ ‬وستيفان‭ ‬والت،‭ ‬منذ‭ ‬العام‭ ‬2016،‭ ‬باعتبارها‭ ‬السياسة‭ ‬المثلى‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬والتي‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬تخلى‭ ‬واشنطن‭ ‬عن‭ ‬الجهود‭ ‬الطموحة‭ ‬لإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬المجتمعات‭ ‬الأخرى،‭ ‬وتركّز‭ ‬على‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬هيمنة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬نصف‭ ‬الكرة‭ ‬الغربي،‭ ‬ومواجهة‭ ‬القوى‭ ‬المهيمنة‭ ‬المحتملة‭ ‬في‭ ‬أوروبا،‭ ‬وشمال‭ ‬شرق‭ ‬آسيا،‭ ‬والخليج‭ ‬العربي،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تشجيع‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأقاليم‭ ‬على‭ ‬تولّي‭ ‬زمام‭ ‬المبادرة‭ ‬في‭ ‬كبح‭ ‬القوى‭ ‬الصاعدة،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تتدخل‭ ‬هي‭ ‬بنفسها‭ ‬فقط‭ ‬عند‭ ‬الضرورة‭. ‬تتجسد‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬في‭ ‬استراتيجية‭ ‬ترامب‭ ‬الجديدة،‭ ‬والتي‭ ‬تنص‭ ‬صراحة‭ ‬على‭ ‬مفهومين‭ ‬رئيسيين‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬وهما‭ ‬‮«‬تقاسم‭ ‬الأعباء‮»‬‭ (‬Burden Sharing‭)‬،‭ ‬و»نقل‭ ‬الأعباء‮»‬‭ (‬Burden Shifting‭)‬،‭ ‬وتنص‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬صراحة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬‮«‬أيام‭ ‬اضطلاع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بدعم‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬بأسره‭ ‬قد‭ ‬ولّت‮»‬،‭ ‬مشيراً‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬حلفاء‭ ‬وشركاء‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬عشرات‭ ‬الدول‭ ‬الغنية‭ ‬والمتقدمة‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تتحمّل‭ ‬المسؤولية‭ ‬الأساسية‭ ‬عن‭ ‬مناطقها،‭ ‬وأن‭ ‬تسهم‭ ‬بدرجة‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬دفاعنا‭ ‬الجماعي،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬إلزام‭ ‬حلف‭ ‬شمال‭ ‬الأطلسي‭ ‬دوله‭ ‬بإنفاق‭ ‬5‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬على‭ ‬الدفاع‭. ‬ويضمن‭ ‬هذا‭ ‬النهج،‭ ‬وفقاً‭ ‬لواشنطن،‭ ‬أن‭ ‬تُوزَّع‭ ‬الأعباء‭ ‬بشكل‭ ‬عادل‭. ‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬البعض‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬استراتيجية‭ ‬ترامب‭ ‬الجديدة‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬محل‭ ‬إجماع‭ ‬داخلي‭ ‬في‭ ‬واشنطن،‭ ‬فإن‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي،‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬الأمر،‭ ‬يعبّر‭ ‬عن‭ ‬تيار‭ ‬قوي‭ ‬داخل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬ويحظى‭ ‬بدعم‭ ‬شعبي‭. ‬ففي‭ ‬استطلاع‭ ‬رأي‭ ‬أجراه‭ ‬مركز‭ ‬بيو‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2016،‭ ‬عبّر‭ ‬نحو‭ ‬57٪‭ ‬من‭ ‬الأمريكيين‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬‮«‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تركز‭ ‬على‭ ‬حل‭ ‬مشاكلها،‭ ‬وأن‭ ‬تترك‭ ‬الأخرين‭ ‬يتعاملون‭ ‬مع‭ ‬مشاكلهم،‭ ‬بأفضل‭ ‬ما‭ ‬يستطيعون‮»‬‭. ‬وسعت‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬الجديد‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬إعلان‭ ‬الاستقلال‮»‬‭ ‬و»الآباء‭ ‬المؤسسين‮»‬،‭ ‬والذين،‭ ‬وفقاً‭ ‬للاستراتيجية‭ ‬عبّروا‭ ‬عن‭ ‬تفضيل‭ ‬واحد،‭ ‬وهو‭ ‬عدم‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬شؤون‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى‭. ‬وقبل‭ ‬مناقشة‭ ‬رؤية‭ ‬واشنطن‭ ‬للحلفاء‭ ‬في‭ ‬أقاليم‭ ‬العالم‭ ‬المختلفة،‭ ‬ينبغي‭ ‬ابتداءً‭ ‬معالجة‭ ‬البعد‭ ‬المتعلق‭ ‬بمسألة‭ ‬تغيير‭ ‬النظم،‭ ‬نظراً‭ ‬لأنها‭ ‬إحدى‭ ‬القضايا‭ ‬الملتبسة‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الأمريكية‭. ‬

خامساً‭: ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬تغيير‭ ‬النظم‭!‬

يرى‭ ‬ميرشايمر‭ ‬ووالت‭ ‬أن‭ ‬سياسة‭ ‬الهيمنة‭ ‬الأمريكية‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬إخفاقات‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية،‭ ‬إذ‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تمنع‭ ‬سيطرة‭ ‬روسيا‭ ‬على‭ ‬القرم،‭ ‬أو‭ ‬تصاعد‭ ‬النفوذ‭ ‬الصيني‭ ‬في‭ ‬مياهها‭ ‬الإقليمية،‭ ‬بل‭ ‬وتسببت‭ ‬في‭ ‬سقوط‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الاضطراب‭. ‬يرجع‭ ‬ذلك‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬إلى‭ ‬سياسة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الرامية‭ ‬إلى‭ ‬إحداث‭ ‬تغيير‭ ‬في‭ ‬الأنظمة‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وليبيا،‭ ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬ترتب‭ ‬عليه‭ ‬حدوث‭ ‬فوضى‭ ‬إقليمية‭ ‬خرج‭ ‬من‭ ‬رحمها‭ ‬تنظيم‭ ‬داعش‭. ‬يرى‭ ‬ميرشايمر‭ ‬ووالت‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬يرجع‭ ‬إلى‭ ‬تبني‭ ‬الإدارات‭ ‬الأمريكية‭ ‬المتعاقبة،‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والجمهورية،‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء،‭ ‬لمبادئ‭ ‬الهيمنة‭ ‬الليبرالية‭ ‬وسياسة‭ ‬تغيير‭ ‬النظم‭.‬

ويبدو‭ ‬أن‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الجديدة‭ ‬تتفق‭ ‬مع‭ ‬ميرشايمر‭ ‬ووالت‭ ‬في‭ ‬تقييماتهما،‭ ‬خاصة‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بسياسة‭ ‬تغيير‭ ‬النظم‭. ‬وليس‭ ‬أدل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬تصريح‭ ‬مديرة‭ ‬الاستخبارات‭ ‬الوطنية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬تولسي‭ ‬جابارد،‭ ‬إن‭ ‬استراتيجية‭ ‬واشنطن‭ ‬السابقة‭ ‬المتمثلة‭ ‬في‭ ‬‮«‬تغيير‭ ‬الأنظمة‭ ‬أو‭ ‬بناء‭ ‬الدول‮»‬‭ ‬قد‭ ‬انتهت‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬الرئيس‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب،‭ ‬فقد‭ ‬أكدت‭ ‬جابارد،‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬على‭ ‬مدى‭ ‬عقود،‭ ‬ظلت‭ ‬سياستنا‭ ‬الخارجية‭ ‬محاصرة‭ ‬في‭ ‬حلقة‭ ‬غير‭ ‬مثمرة‭ ‬لا‭ ‬نهاية‭ ‬لها‭ ‬لتغيير‭ ‬الأنظمة،‭ ‬أو‭ ‬بناء‭ ‬الدول‮»‬‭. ‬وأكدت‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬السياسة‭ ‬اكسبت‭ ‬واشنطن‭ ‬‮«‬أعداء‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الحلفاء‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬كبدتها‭ ‬إنفاق‭ ‬تريليونات‭ ‬وخسارة‭ ‬عدد‭ ‬لا‭ ‬يحصى‭ ‬من‭ ‬الأرواح،‭ ‬وفي‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات‭ ‬التسبب‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬تهديدات‭ ‬أمنية‭ ‬أكبر‮»‬‭. ‬

لذلك‭ ‬أكدت‭ ‬استراتيجية‭ ‬ترامب‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تسعى‭ ‬لإقامة‭ ‬علاقات‭ ‬طيبة‭ ‬وتجارية‭ ‬سلمية‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬العالم،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تفرض‭ ‬عليها‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬أو‭ ‬أي‭ ‬تغيير‭ ‬اجتماعي‭ ‬آخر‭ ‬يختلف‭ ‬اختلافاً‭ ‬كبيراً‭ ‬عن‭ ‬تقاليدها‭ ‬وتاريخها‭. ‬كما‭ ‬أشارت‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬في‭ ‬موضع‭ ‬أخر‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬إعلان‭ ‬الاستقلال‮»‬،‭ ‬وتحديداً‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬جميع‭ ‬الأمم‭ ‬لها‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬‮«‬مكانة‭ ‬منفصلة‭ ‬ومتساوية‮»‬‭ ‬فيما‭ ‬بينها‭. ‬وأخذاً‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬كلا‭ ‬النقطتين‭ ‬السابقتين،‭ ‬فإن‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬تلمح‭ ‬إلى‭ ‬أنها‭ ‬ستسلك‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬مماثل‭ ‬نهج‭ ‬‮«‬عدم‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬شؤون‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬السياسة‭ ‬التي‭ ‬تؤكد‭ ‬عليها‭ ‬الصين‭ ‬وروسيا،‭ ‬وتعد‭ ‬جاذبة‭ ‬لدول‭ ‬العالم‭ ‬الثالث‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬رفض‭ ‬ترامب‭ ‬سياسة‭ ‬تغيير‭ ‬النظم،‭ ‬فإنه‭ ‬يمكن‭ ‬المجادلة‭ ‬بأن‭ ‬واشنطن‭ ‬لن‭ ‬تتخلى‭ ‬تماماً‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬السياسة،‭ ‬ولكن‭ ‬قامت‭ ‬فقط‭ ‬بتحديد‭ ‬نطاقه‭ ‬الجغرافي،‭ ‬إن‭ ‬جاز‭ ‬التعبير،‭ ‬فبموجب‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الجديدة،‭ ‬فإنه‭ ‬من‭ ‬حق‭ ‬واشنطن‭ ‬التدخل،‭ ‬أو‭ ‬التأثير‭ ‬على‭ ‬نصف‭ ‬الكرة‭ ‬الغربي،‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬إحياء‭ ‬لعقيدة‭ ‬مونرو،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬أسماه‭ ‬ترامب‭ ‬‮«‬مبدأ‭ ‬ترامب‭ ‬المكمّل‮»‬‭ ‬لعقيدة‭ ‬مونرو،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا،‭ ‬والتي‭ ‬تمثل‭ ‬امتداداً‭ ‬حضارياً‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬

وهناك‭ ‬مؤشرين‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬الأمر،‭ ‬الأول‭ ‬ورد‭ ‬ذكره‭ ‬في‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬بينما‭ ‬الثاني‭ ‬يمكن‭ ‬تلمسه‭ ‬من‭ ‬متابعة‭ ‬السياسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الحالية‭ ‬تجاه‭ ‬فنزويلا‭. ‬وفيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالمؤشر‭ ‬الأول،‭ ‬حذرت‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬من‭ ‬‮«‬احتمال‭ ‬محو‭ ‬حضاري‮»‬‭ ‬لأوروبا،‭ ‬مشيرة‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬من‭ ‬المرجّح‭ ‬جداً‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬غضون‭ ‬بضعة‭ ‬عقود‭ ‬على‭ ‬أبعد‭ ‬تقدير،‭ ‬ستصبح‭ ‬بعض‭ ‬دول‭ ‬الناتو‭ ‬ذات‭ ‬أغلبية‭ ‬غير‭ ‬أوروبية»؛‭ ‬ولذا‭ ‬تدعو‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الأمريكية‭ ‬إلى‭ ‬اتخاذ‭ ‬خطوات‭ ‬لمساعدة‭ ‬القارة‭ ‬على‭ ‬‮«‬تصحيح‭ ‬مسارها‭ ‬الحالي‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬نظر‭ ‬إليه‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬دعماً‭ ‬أمريكياً‭ ‬صريحاً‭ ‬لليمين‭ ‬المتطرف‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية،‭ ‬والذي‭ ‬ينادي‭ ‬بنفس‭ ‬مبادئ‭ ‬تقريباً،‭ ‬خاصة‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بوقف‭ ‬الهجرة،‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬الطابع‭ ‬المسيحي‭ ‬لأوروبا‭. ‬

وقد‭ ‬وضح‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬البعد‭ ‬بالنسبة‭ ‬لترامب،‭ ‬حينما‭ ‬سأل‭ ‬المسؤولين‭ ‬المنتخبين‭ ‬علناً‭ ‬‮«‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬نستقبل‭ ‬أشخاصا‭ ‬من‭ ‬السويد‭ ‬أو‭ ‬النروج؟‮»‬،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬رفضه‭ ‬لاستقبال‭ ‬لاجئين‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬الدول‭ ‬الغربية،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الأشخاص‭ ‬المقربين‭ ‬من‭ ‬ترامب‭ ‬يتبنون‭ ‬هذا‭ ‬الأمر،‭ ‬مثل‭ ‬أيلون‭ ‬ماسك،‭ ‬والذي‭ ‬عبّر‭ ‬عن‭ ‬دعمه‭ ‬الصريح‭ ‬للبديل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬ألمانيا،‭ ‬وهو‭ ‬أحد‭ ‬الأحزاب‭ ‬الأوروبية‭ ‬اليمينية،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الحزب‭ ‬تحديداً‭ ‬أشاد‭ ‬بالاستراتيجية‭ ‬الأمريكية‭ ‬الجديدة‭ ‬للأمن‭ ‬القومي‭ ‬التي‭ ‬حذّرت‭ ‬من‭ ‬زوال‭ ‬الحضارة‭ ‬الأوروبية،‭ ‬وأعلن‭ ‬الحزب‭ ‬الألماني،‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬ديسمبر‭ ‬2025،‭ ‬عن‭ ‬زيارة‭ ‬حوالي‭ ‬20‭ ‬نائباً‭ ‬من‭ ‬صفوفه‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬للاجتماع‭ ‬بمسؤولين‭ ‬في‭ ‬الحزب‭ ‬الجمهوري،‭ ‬وذلك‭ ‬بهدف‭ ‬‮«‬نسج‭ ‬شراكات‭ ‬متينة‭ ‬مع‭ ‬القوى‭ ‬التي‭ ‬تدافع‭ ‬عن‭ ‬السيادة‭ ‬الوطنية‭ ‬والهوية‭ ‬الثقافية‭ ‬والسياسة‭ ‬الواقعية‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الأمن‭ ‬والهجرة‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬ينظر‭ ‬إليه‭ ‬على‭ ‬إنه‭ ‬تدخلاً‭ ‬واضحاً‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬الأوروبية‭.‬‭ ‬ولذلك،‭ ‬انتقد‭ ‬المستشار‭ ‬الألماني‭ ‬ميرتس‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬قائلاً‭ ‬إن‭ ‬‮«‬جزءاً‭ ‬منها‭ ‬غير‭ ‬مقبول‭ ‬لنا‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬أوروبي‮»‬،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬الجزء‭ ‬الوارد‭ ‬في‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬المتعلق‭ ‬بإنقاذ‭ ‬الديمقراطية‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭. ‬

أما‭ ‬المؤشر‭ ‬الثاني‭ ‬على‭ ‬النطاق‭ ‬الجغرافي‭ ‬لسياسة‭ ‬تغيير‭ ‬النظم،‭ ‬فيتضح‭ ‬من‭ ‬السياسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬تجاه‭ ‬فنزويلا،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬تسريب‭ ‬مسؤولين‭ ‬أمريكيين،‭ ‬في‭ ‬ديسمبر‭ ‬2025،‭ ‬عن‭ ‬وضع‭ ‬واشنطن‭ ‬خطط‭ ‬لما‭ ‬بعد‭ ‬الإطاحة‭ ‬بالرئيس‭ ‬الفنزويلي،‭ ‬نيكولاس‭ ‬مادورو،‭ ‬والحشد‭ ‬العسكري‭ ‬الأمريكي‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬فنزويلا،‭ ‬وتهديدها‭ ‬بتوجيه‭ ‬ضربات‭ ‬جوية‭ ‬لها،‭ ‬في‭ ‬مسعى‭ ‬للضغط‭ ‬على‭ ‬مادورو‭ ‬لدفعه‭ ‬للاستقالة‭. ‬وبالتالي،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬السياسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬تجاه‭ ‬نصف‭ ‬العالم‭ ‬الغربي‭ ‬وأوروبا‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬باقي‭ ‬مناطق‭ ‬العالم،‭ ‬إذ‭ ‬تتجه‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تقسيم‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬مناطق‭ ‬نفوذ‭ ‬مختلفة‭ ‬ذات‭ ‬أولويات‭ ‬متباينة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬سيتم‭ ‬تفصيله‭ ‬في‭ ‬النقطة‭ ‬التالية‭.‬

سادساً‭: ‬إعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬أقاليم‭ ‬العالم‭: ‬

حذرت‭ ‬استراتيجية‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬الرئيس‭ ‬السابق،‭ ‬جو‭ ‬بايدن،‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2022،‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬أكبر‭ ‬تحدٍ‭ ‬استراتيجي‭ ‬تواجه‭ ‬الرؤية‭ ‬الأمريكية‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬القوى‭ ‬التي‭ ‬تجمع‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الحكومات‭ ‬السلطوية‭ ‬وسياسة‭ ‬خارجية‭ ‬‮«‬تعديلية‮»‬‭ (‬Revisionist Foreign Policies‭)‬،‭ ‬أي‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬تعديل‭ ‬وتغيير‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬القائم،‭ ‬وكان‭ ‬رد‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬التحدي‭ ‬هو‭ ‬الانتصار‭ ‬في‭ ‬المنافسة‭ ‬على‭ ‬الصين،‭ ‬وتقييد‭ ‬روسيا‭ ‬العدوانية‭.  ‬ولم‭ ‬يختلف‭ ‬التقييم‭ ‬السابق‭ ‬عن‭ ‬تقييم‭ ‬استراتيجية‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬الأمريكية‭ ‬للرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬إدارته‭ ‬الأولى‭ ‬والصادرة‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2017،‭ ‬فقد‭ ‬أكدت‭ ‬استراتيجيته‭ ‬صراحة‭ ‬عن‭ ‬عودة‭ ‬صراعات‭ ‬القوى‭ ‬العظمى،‭ ‬واصفةً‭ ‬الصين‭ ‬وروسيا‭ ‬بأنهما‭ ‬قوتان‭ ‬‮«‬تعديليتان‮»‬‭ ‬تسعيان‭ ‬إلى‭ ‬تقويض‭ ‬الهيمنة‭ ‬الأمريكية‭ ‬حول‭ ‬العالم‭. ‬

وتبدل‭ ‬الموقف‭ ‬الأمريكي‭ ‬تماماً،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬الثانية،‭ ‬إذ‭ ‬أكدت‭ ‬أن‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬يمكنها‭ ‬أن‭ ‬تتعايش‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬أقاليم‭ ‬بعضها‭ ‬البعض،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعد‭ ‬تسليماً‭ ‬عملياً‭ ‬بعودة‭ ‬مناطق‭ ‬النفوذ،‭ ‬ونتاج‭ ‬مباشر‭ ‬لإخفاق‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬هزيمة‭ ‬روسيا‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭. ‬وقد‭ ‬عبرت‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الأمريكية‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬صراحة،‭ ‬حينما‭ ‬وجهت‭ ‬انتقادات‭ ‬حادة‭ ‬إلى‭ ‬الأوروبيين،‭ ‬إذ‭ ‬أكدت‭ ‬أن‭ ‬‮«‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬على‭ ‬خلاف‭ ‬مع‭ ‬المسؤولين‭ ‬الأوروبيين‭ ‬الذين‭ ‬يحملون‭ ‬توقعات‭ ‬غير‭ ‬واقعية‭ ‬بشأن‭ ‬الحرب‮»‬‭ ‬الروسية‭ ‬–‭ ‬الأوكرانية،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬ضمنية‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬توقعات‭ ‬غير‭ ‬منطقية‭ ‬بإمكانية‭ ‬هزيمة‭ ‬روسيا‭. ‬

لذا،‭ ‬تتبنى‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬سياسة‭ ‬تنادي‭ ‬بشكل‭ ‬صريح‭ ‬بتقسيم‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬مناطق‭ ‬نفوذ،‭ ‬بحيث‭ ‬تتمتع‭ ‬كل‭ ‬قوة‭ ‬عظمى‭ ‬بحرية‭ ‬في‭ ‬ممارسة‭ ‬نفوذها‭ ‬وهيمنتها‭ ‬داخل‭ ‬مناطق‭ ‬نفوذها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬ضمناً‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬قد‭ ‬تقبل‭ ‬بضم‭ ‬روسيا‭ ‬لأراضٍ‭ ‬أوكرانية،‭ ‬ولكن‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬توقف‭ ‬موسكو‭ ‬عن‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬اللاتينية،‭ ‬أو‭ ‬الفناء‭ ‬الخلفي‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإنه‭ ‬بمراجعة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الأمريكية‭ ‬الجديدة،‭ ‬يلاحظ‭ ‬أن‭ ‬واشنطن‭ ‬لا‭ ‬تقبل‭ ‬بمنح‭ ‬الصين‭ ‬نفس‭ ‬الوضع،‭ ‬أي‭ ‬أنها‭ ‬لن‭ ‬تقبل‭ ‬بسيطرتها‭ ‬على‭ ‬تايوان،‭ ‬بل‭ ‬وتعمل‭ ‬على‭ ‬ردع‭ ‬بكين‭ ‬من‭ ‬شن‭ ‬عملية‭ ‬عسكرية‭ ‬تستطيع‭ ‬بموجبها‭ ‬استعادة‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬أراضيها‭. ‬

وبموجب‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الجديدة،‭ ‬فإنه‭ ‬لن‭ ‬يتم‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬ركن‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬الاستراتيجيات‭ ‬السابقة،‭ ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬الأمر‭ ‬‮«‬جعل‭ ‬واشنطن‭ ‬تفتقد‭ ‬التركيز،‭ ‬وهو‭ ‬النقيض‭ ‬لما‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬عليه‭ ‬الاستراتيجية‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬تؤكد‭ ‬استراتيجية‭ ‬ترامب‭ ‬صراحة‭. ‬وتبرر‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬ذلك‭ ‬التوجه‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لا‭ ‬يمكنها‭ ‬أن‭ ‬تتحمل‭ ‬تكلفة‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬منتبهة‭ ‬لكل‭ ‬مناطق‭ ‬ومشاكل‭ ‬العالم‭. ‬

لذلك‭ ‬تضع‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬العالم‭ ‬نصف‭ ‬الكرة‭ ‬الغربي‭ ‬باعتبارها‭ ‬المنطقة‭ ‬ذات‭ ‬الأولوية،‭ ‬وتؤكد‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬هنا‭ ‬على‭ ‬إحياء‭ ‬مبدأ‭ ‬مونرو،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬واشنطن‭ ‬هي‭ ‬المهيمن‭ ‬الرئيس‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة،‭ ‬وذلك‭ ‬عبر‭ ‬اتباع‭ ‬استراتيجية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الاستعانة‭ ‬بالحلفاء‭ ‬الراسخين‭ ‬هناك‭ ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬الهجرة،‭ ‬ووقف‭ ‬تدفقات‭ ‬المخدرات،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الاستقرار‭ ‬والأمن‭ ‬برياً‭ ‬وبحرياً،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬التحالف‭ ‬مع‭ ‬شركاء‭ ‬جدد،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تعزيز‭ ‬جاذبية‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬كشريك‭ ‬اقتصادي‭ ‬وأمني‭ ‬مفضل‭ ‬في‭ ‬نصف‭ ‬الكرة‭ ‬الغربي‭.  ‬كما‭ ‬ستسعى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬إلى‭ ‬إقناع‭ ‬حكومات‭ ‬أمريكا‭ ‬اللاتينية‭ ‬برفض‭ ‬التعاون‭ ‬مع‭ ‬القوى‭ ‬الأخرى‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬نصف‭ ‬الكرة‭ ‬الغربي،‭ ‬وإيضاح‭ ‬أن‭ ‬التعاون‭ ‬مع‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬يتضمن‭ ‬تكاليف‭ ‬خفية،‭ ‬مثل‭ ‬التجسس،‭ ‬وتهديد‭ ‬أمن‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬السيبراني،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬إيقاع‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬في‭ ‬مصيدة‭ ‬الديون،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬ضمنية‭ ‬إلى‭ ‬الصين،‭ ‬وإذا‭ ‬ما‭ ‬وافقت‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬وقف‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬التعاون،‭ ‬فإن‭ ‬واشنطن‭ ‬سوف‭ ‬تتعاون‭ ‬معها‭ ‬اقتصادياً‭ ‬وتكنولوجياً،‭ ‬وتقدم‭ ‬لها‭ ‬خدمات‭ ‬وسلع‭ ‬أفضل‭. ‬وسوف‭ ‬تكون‭ ‬أداة‭ ‬واشنطن‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬هو‭ ‬الأداة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬وذلك‭ ‬عبر‭ ‬التعاون‭ ‬بين‭ ‬الحكومة‭ ‬والقطاع‭ ‬الخاص‭ ‬الأمريكي‭. ‬

أما‭ ‬ثاني‭ ‬المناطق‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الأهمية،‭ ‬فتتمثل‭ ‬في‭ ‬أسيا،‭ ‬وتبرر‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬أن‭ ‬منطقة‭ ‬المحيطين‭ ‬الهادئ‭ ‬–‭ ‬الهندي‭ ‬هي‭ ‬مصدر‭ ‬لنصف‭ ‬الناتج‭ ‬القومي‭ ‬الإجمالي‭ ‬العالمي‭ ‬بالقيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬تقريباً،‭ ‬كما‭ ‬سلفت‭ ‬الإشارة،‭ ‬ولذلك،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬سوف‭ ‬تظل‭ ‬أهم‭ ‬مناطق‭ ‬الصراعات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والجيوبوليتيكية‭ ‬خلال‭ ‬القرن‭ ‬القادم‭. ‬ومرة‭ ‬أخرى،‭ ‬ترى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أنها‭ ‬الأجدر‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭ ‬بنجاح‭ ‬هناك‭ ‬بسبب‭ ‬احتفاظ‭ ‬واشنطن‭ ‬بأقوى‭ ‬اقتصاد‭ ‬وجيش‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وابتكار‭ ‬يتفوق‭ ‬على‭ ‬الجميع،‭ ‬و»قوة‭ ‬ناعمة‮»‬‭ ‬لا‭ ‬مثيل‭ ‬لها،‭ ‬وسجل‭ ‬تاريخي‭ ‬في‭ ‬إفادة‭ ‬حلفائها‭ ‬وشركائها‭. ‬وتخص‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬بالذكر‭ ‬هنا‭ ‬الهند،‭ ‬وضرورة‭ ‬أن‭ ‬تحسن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬علاقاتها‭ ‬بالأخيرة‭ ‬وتشجيع‭ ‬نيودلهي‭ ‬على‭ ‬المساهمة‭ ‬في‭ ‬أمن‭ ‬المحيطين‭ ‬الهادئ‭ ‬والهندي،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التعاون‭ ‬الرباعي‭ ‬مع‭ ‬أستراليا‭ ‬واليابان‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬‮«‬الكواد‮»‬‭. ‬وتؤكد‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬محور‭ ‬التعاون‭ ‬مع‭ ‬الحلفاء‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬منع‭ ‬هيمنة‭ ‬منافس‭ ‬استراتيجي‭ ‬واحد‭ ‬على‭ ‬المنطقة‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬ضمنية‭ ‬إلى‭ ‬الصين‭. ‬

تؤكد‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬التوازن‭ ‬العسكري‭ ‬التقليدي‭ ‬يظل‭ ‬مكوّناً‭ ‬أساسياً‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬التنافس‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬ضمنية‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬إلى‭ ‬التنافس‭ ‬بين‭ ‬الصين‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬تؤكد‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬على‭ ‬الأهمية‭ ‬الكبيرة‭ ‬لتايوان،‭ ‬بسبب‭ ‬هيمنتها‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬أشباه‭ ‬الموصلات،‭ ‬وبسبب‭ ‬موقعها‭ ‬الجغرافي،‭ ‬الذي‭ ‬يسمح‭ ‬بالوصول‭ ‬المباشر‭ ‬إلى‭ ‬سلسلة‭ ‬الجزر‭ ‬الثانية‭ ‬وتفصل‭ ‬بين‭ ‬شمال‭ ‬شرق‭ ‬وجنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا‭ ‬إلى‭ ‬مسرحين‭ ‬متميزين،‭ ‬ولأن‭ ‬ثلث‭ ‬الشحن‭ ‬العالمي‭ ‬يمر‭ ‬سنوياً‭ ‬عبر‭ ‬بحر‭ ‬الصين‭ ‬الجنوبي‭. ‬وتؤثر‭ ‬هذه‭ ‬العوامل‭ ‬السابقة‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأمريكي‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإن‭ ‬ردع‭ ‬نشوب‭ ‬صراع‭ ‬حول‭ ‬تايوان‭ ‬يعد‭ ‬أولوية‭. ‬تؤكد‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬كذلك‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الجيش‭ ‬الأمريكي‭ ‬لا‭ ‬يمكنه،‭ ‬ولا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يضطر‭ ‬إلى،‭ ‬القيام‭ ‬بذلك‭ ‬بمفرده،‭ ‬إذ‭ ‬أنه‭ ‬سيكون‭ ‬واجباً‭ ‬على‭ ‬حلفاء‭ ‬واشنطن،‭ ‬وتحديداً‭ ‬اليابان‭ ‬وكوريا‭ ‬الجنوبية،‭ ‬أن‭ ‬يقوما‭ ‬بزيادة‭ ‬الإنفاق‭ ‬العسكري،‭ ‬مع‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬امتلاك‭ ‬قدرات‭ ‬دفاعية‭ ‬جديدة‭ ‬لردع‭ ‬الخصوم‭ ‬وحماية‭ ‬سلسلة‭ ‬الجزر‭ ‬الأولى،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬مبطنة‭ ‬إلى‭ ‬الصين‭. ‬وارتباطاً‭ ‬بالتهديد‭ ‬السابق،‭ ‬تنص‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬تحد‭ ‬أمني‭ ‬ذات‭ ‬صلة،‭ ‬وهو‭ ‬السماح‭ ‬لأي‭ ‬منافس،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬ضمنية‭ ‬إلى‭ ‬الصين‭ ‬كذلك‭ ‬بالتحكم‭ ‬في‭ ‬بحر‭ ‬الصين‭ ‬الجنوبي،‭ ‬نظراً‭ ‬لأن‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬يمثل‭ ‬تهديداً‭ ‬للمصالح‭ ‬الأمريكية‭ . ‬ولم‭ ‬تغفل‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬البعد‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬المنافسة‭ ‬مع‭ ‬الصين‭ ‬وروسيا،‭ ‬وإن‭ ‬تحاشت‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الإشارة‭ ‬إليه‭ ‬صراحة،‭ ‬إذ‭ ‬حددت‭ ‬الدرع‭ ‬الصاروخي‭ ‬‮«‬القبة‭ ‬الذهبية‮»‬‭ ‬كهدف‭ ‬استراتيجي،‭ ‬وهو‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬‮«‬أنظمة‭ ‬دفاع‭ ‬صاروخي‭ ‬من‭ ‬الجيل‭ ‬التالي‮»‬‭ ‬لحماية‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وأصولها‭ ‬في‭ ‬الخارج‭ ‬وحلفائها‭. ‬ومن‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬القبة‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬الرد‭ ‬على‭ ‬التفوق‭ ‬الروسي‭ ‬–‭ ‬الصيني‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬الصواريخ‭ ‬الفرط‭ ‬صوتية،‭ ‬والتي‭ ‬تعجز‭ ‬نظم‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي‭ ‬الأمريكية‭ ‬الحالية‭ ‬عن‭ ‬مواجهتها،‭ ‬كما‭ ‬باتت‭ ‬قدرة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬تايوان‭ ‬محل‭ ‬شك،‭ ‬خاصة‭ ‬بعدما‭ ‬كشف‭ ‬‮«‬تقرير‭ ‬سري‭ ‬للغاية‮»‬‭ ‬صادر‭ ‬عن‭ ‬وزارة‭ ‬الدفاع‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وجرى‭ ‬تسريبه‭ ‬للصحافة‭ ‬في‭ ‬ديسمبر‭ ‬2025،‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ستتكبد‭ ‬‮«‬هزيمة‭ ‬ساحقة‮»‬‭ ‬وستفقد‭ ‬أكبر‭ ‬حاملة‭ ‬طائرات‭ ‬لديها‭ ‬إذا‭ ‬حاولت‭ ‬منع‭ ‬الصين‭ ‬من‭ ‬غزو‭ ‬تايوان‭ ‬بسبب‭ ‬ترسانة‭ ‬الصين‭ ‬التي‭ ‬تضم‭ ‬نحو‭ ‬600‭ ‬سلاح‭ ‬فرط‭ ‬صوتي،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الصواريخ‭ ‬والغواصات‭ ‬النووية‭. ‬وبالتالي‭ ‬باتت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬منظومة‭ ‬دفاع‭ ‬جديدة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬كسر‭ ‬التفوق‭ ‬الصيني،‭ ‬واستعادة‭ ‬الردع‭ ‬لمنع‭ ‬الصين‭ ‬من‭ ‬ضم‭ ‬تايوان‭ ‬بالقوة‭.‬

أما‭ ‬القارة‭ ‬الأوروبية،‭ ‬فقد‭ ‬احتلت‭ ‬المرتبة‭ ‬الثالثة،‭ ‬في‭ ‬قائمة‭ ‬اهتمامات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الأمريكية‭. ‬وهنا‭ ‬تحذر‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬من‭ ‬المشاكل‭ ‬الأوروبية،‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬تتمثل‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬تراجع‭ ‬الإنفاق‭ ‬العسكري‭ ‬والركود‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬مع‭ ‬تراجع‭ ‬إسهامها‭ ‬في‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬من‭ ‬حوالي‭ ‬25٪‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1990‭ ‬إلى‭ ‬14٪‭ ‬فقط‭ ‬اليوم،‭ ‬ولكن‭ ‬كذلك‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬أسمته‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬خطر‭ ‬المحو‭ ‬الحضاري‮»‬،‭ ‬والذي‭ ‬أرجعته‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬إلى‭ ‬مؤسسات‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي،‭ ‬والتي‭ ‬تحد‭ ‬من‭ ‬الحرية‭ ‬السياسية‭ ‬والسيادة،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬دعم‭ ‬سياسات‭ ‬الهجرة،‭ ‬والتي‭ ‬تهدد‭ ‬الهويات‭ ‬الوطنية،‭ ‬وتجعل‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬التعرف‭ ‬على‭ ‬القارة‭ ‬خلال‭ ‬عشرون‭ ‬عاماً‭ ‬أو‭ ‬أقل،‭ ‬إذ‭ ‬تؤكد‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬سوف‭ ‬تصبح‭ ‬أغلبية‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬الأوروبيين،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يدفعهم‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬تحالفهم‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬

وبالنسبة‭ ‬للعلاقات‭ ‬مع‭ ‬روسيا،‭ ‬فإن‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬مصلحة‭ ‬رئيسية‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬هو‭ ‬التفاوض‭ ‬على‭ ‬وقف‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬لتحقيق‭ ‬الاستقرار‭ ‬في‭ ‬القارة‭ ‬الأوروبية،‭ ‬ومنع‭ ‬توسع‭ ‬الحرب،‭ ‬واستعادة‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬مع‭ ‬روسيا‭. ‬وهنا‭ ‬توجه‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬انتقاداً‭ ‬حاداً‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا،‭ ‬إذ‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬أغلبية‭ ‬الأوروبيين‭ ‬يرغبون‭ ‬في‭ ‬السلام،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الرغبة‭ ‬لا‭ ‬يتم‭ ‬ترجمتها‭ ‬إلى‭ ‬سياسة،‭ ‬بسبب‭ ‬تخريب‭ ‬الحكومات‭ ‬للعملية‭ ‬الديمقراطية‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬أوروبا‭ ‬تظل‭ ‬مهمة‭ ‬للمصالح‭ ‬الأمريكية،‭ ‬نظراً‭ ‬لأنها‭ ‬أحد‭ ‬أعمدة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬والازدهار‭ ‬الأمريكي،‭ ‬ولذلك‭ ‬تدعو‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬إلى‭ ‬ضرورة‭ ‬توظيف‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬ديمقراطية‭ ‬حقيقة،‭ ‬وإحياء‭ ‬الشخصية‭ ‬الوطنية‭ ‬لكل‭ ‬دولة‭ ‬أوروبية،‭ ‬وتؤكد‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬أن‭ ‬الفرصة‭ ‬المتاحة‭ ‬أمام‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لاستغلالها‭ ‬ودعمها‭ ‬هو‭ ‬الأحزاب‭ ‬الوطنية‭ (‬اليمينية‭ ‬المتطرفة‭). ‬

وجاء‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬في‭ ‬المرتبة‭ ‬الرابعة‭ ‬بالنسبة‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬وترى‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬أن‭ ‬تراجع‭ ‬مرتبة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكية‭ ‬لا‭ ‬يرتبط‭ ‬بعدم‭ ‬أهمية‭ ‬المنطقة،‭ ‬ولكن‭ ‬نظراً‭ ‬لأنها‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مصدر‭ ‬رئيس‭ ‬لكوارث‭ ‬وشيكة‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬الماضي‭. ‬وتؤكد‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬احتلت‭ ‬تاريخياً‭ ‬الأولوية‭ ‬فوق‭ ‬كل‭ ‬المناطق‭ ‬الأخر،‭ ‬وذلك‭ ‬لأسباب‭ ‬واضحة،‭ ‬وهي‭ ‬أن‭ ‬أهم‭ ‬منتج‭ ‬للطاقة،‭ ‬ومسرح‭ ‬رئيسي‭ ‬لمنافسة‭ ‬القوى‭ ‬العظمى،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬صراعات‭ ‬قد‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬مناطق‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬وترى‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬أن‭ ‬سببين‭ ‬من‭ ‬الأسباب‭ ‬الثلاثة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬قائمة،‭ ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬صارت‭ ‬مصدّر‭ ‬صافٍ‭ ‬للنفط،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تحتل‭ ‬رقماً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬بسبب‭ ‬الإحياء‭ ‬الناجح‭ ‬لتحالفاتها‭ ‬مع‭ ‬الخليج‭ ‬والدول‭ ‬العربية‭ ‬الأخرى‭ ‬وإسرائيل‭. ‬أما‭ ‬صراعات‭ ‬المنطقة،‭ ‬فقد‭ ‬تراجعت‭ ‬بسبب‭ ‬إضعاف‭ ‬إيران‭ ‬بعد‭ ‬عملية‭ ‬‮«‬مطرقة‭ ‬منتصف‭ ‬الليل‮»‬‭ ‬في‭ ‬يونيو‭ ‬2025،‭ ‬والتي‭ ‬قوضت‭ ‬البرنامج‭ ‬النووي‭ ‬الإيراني‭. ‬ونظراً‭ ‬لذلك،‭ ‬ترى‭ ‬واشنطن‭ ‬أن‭ ‬أسباب‭ ‬واشنطن‭ ‬التاريخية‭ ‬للتركيز‭ ‬على‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬تراجعت،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬المنطقة‭ ‬تحتل‭ ‬أهمية‭ ‬كبيرة‭ ‬بسبب‭ ‬أنها‭ ‬مصدر‭ ‬ومقصد‭ ‬للاستثمارات‭ ‬العالمية‭ ‬والصناعات،‭ ‬مثل‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬النووية‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭. ‬وترى‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬أن‭ ‬مفتاح‭ ‬النجاح‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬تقبل‭ ‬المنطقة‭ ‬وقادتها‭ ‬وشعوبها،‭ ‬كما‭ ‬هي،‭ ‬والعمل‭ ‬معهم‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحقيق‭ ‬المصالح‭ ‬المشتركة،‭ ‬والتي‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬عدم‭ ‬سقوط‭ ‬موارد‭ ‬الطاقة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬في‭ ‬أيدي‭ ‬قوى‭ ‬معادية،‭ ‬أو‭ ‬إغلاق‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬أو‭ ‬تهديد‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬ضمان‭ ‬عدم‭ ‬تحول‭ ‬المنطقة‭ ‬إلى‭ ‬حاضنة‭ ‬للإرهاب،‭ ‬أو‭ ‬مصدر‭ ‬تهديد‭ ‬لإسرائيل‭. ‬لذلك‭ ‬تدعم‭ ‬واشنطن‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬لتوسيع‭ ‬الاتفاقات‭ ‬الإبراهيمية‭ ‬لتضم‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭. ‬ولاشك‭ ‬أن‭ ‬تحقيق‭ ‬اتفاقات‭ ‬السلام،‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬وحول‭ ‬العالم،‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬فرص‭ ‬تورط‭ ‬واشنطن‭ ‬عسكرياً،‭ ‬ويساهم‭ ‬في‭ ‬تفرغ‭ ‬واشنطن‭ ‬لصراعها‭ ‬الأهم‭ ‬مع‭ ‬الصين‭. ‬

في‭ ‬الختام‭ ‬تكشف‭ ‬مراجعة‭ ‬استراتيجية‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬الأمريكي‭ ‬عن‭ ‬حدوث‭ ‬تحولات‭ ‬عميقة،‭ ‬إذ‭ ‬أنها‭ ‬تضع‭ ‬أهدافاً‭ ‬أكثر‭ ‬واقعية‭ ‬عن‭ ‬الاستراتيجيات‭ ‬السابقة،‭ ‬فلم‭ ‬تعد‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬باعتبارها‭ ‬المدافعة‭ ‬عن‭ ‬‮«‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬القواعد‮»‬،‭ ‬ولكن‭ ‬فقط‭ ‬المدافعة‭ ‬عن‭ ‬نصف‭ ‬الكرة‭ ‬الغربي،‭ ‬وحماية‭ ‬الثقافة‭ ‬الأوروبية‭ ‬من‭ ‬الفناء‭ ‬بسبب‭ ‬تهديد‭ ‬‮«‬المهاجرين‮»‬‭. ‬

أما‭ ‬السمة‭ ‬الثانية‭ ‬الغالبة‭ ‬على‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬فتتمثل‭ ‬في‭ ‬تجنبها‭ ‬الإشارة‭ ‬صراحة‭ ‬إلى‭ ‬التنافس‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬جانب،‭ ‬والصين‭ ‬وروسيا‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬أخر‭. ‬وبالنسبة‭ ‬لروسيا،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬قد‭ ‬أسقطتها‭ ‬من‭ ‬حساباتها‭ ‬باعتبارها‭ ‬عدو‭ ‬أو‭ ‬خصم‭ ‬استراتيجي،‭ ‬بل‭ ‬وترى‭ ‬أنها‭ ‬سوف‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬الوساطة‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬أوروبا‭ ‬لاستعادة‭ ‬الاستقرار‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭. ‬

أما‭ ‬الصين،‭ ‬فإن‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬ركزت‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬احتواء‭ ‬الصين،‭ ‬اقتصادياً‭ ‬وعسكرياً،‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬أسيا،‭ ‬لضمان‭ ‬عدم‭ ‬تحولها‭ ‬إلى‭ ‬مهيمن‭ ‬على‭ ‬منطقة‭ ‬المحيطين‭ ‬الهادئ‭ ‬–‭ ‬الهندي،‭ ‬وإن‭ ‬تحاشت‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬الصين‭ ‬صراحة،‭ ‬كما‭ ‬أكدت‭ ‬أنه‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬ضمن‭ ‬المصالح‭ ‬الأمريكية‭ ‬منع‭ ‬ضم‭ ‬الصين‭ ‬لتايوان،‭ ‬لأن‭ ‬ذلك‭ ‬سوف‭ ‬يخل‭ ‬إخلالاً‭ ‬شديداً‭ ‬بتوازن‭ ‬القوى‭. ‬وسوف‭ ‬تقوم‭ ‬واشنطن‭ ‬بذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التحالفات‭ ‬ودفع‭ ‬حلفائها‭ ‬للعب‭ ‬دور‭ ‬أمني‭ ‬أكبر‭. ‬وعليه،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الأمريكية‭ ‬الجديدة‭ ‬باتت‭ ‬عملياً‭ ‬تطبق‭ ‬استراتيجية‭ ‬‮«‬الموازن‭ ‬من‭ ‬الخارج‮»‬‭. ‬

أما‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬فلاتزال‭ ‬تتمتع‭ ‬بأهمية‭ ‬مركزية‭ ‬بسبب‭ ‬الطاقة‭ ‬وممراتها‭ ‬الملاحية‭ ‬واستثماراتها‭ ‬المفيدة‭ ‬للاقتصاد‭ ‬الأمريكي‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬يمكن‭ ‬ملاحظة‭ ‬أن‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬تهون‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬مساعي‭ ‬روسيا،‭ ‬أو‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬التواجد‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬تبالغ‭ ‬في‭ ‬تقدير‭ ‬حجم‭ ‬الاستقرار‭ ‬الإقليمي،‭ ‬خاصة‭ ‬وأن‭ ‬أزمة‭ ‬البرنامج‭ ‬النووي‭ ‬الإيراني‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬علاجها‭ ‬بشكل‭ ‬كامل‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬النهج‭ ‬الأمريكي‭ ‬الرئيس‭ ‬بات‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬تحميل‭ ‬أقاليم‭ ‬العالم‭ ‬المختلفة‭ ‬مسؤولية‭ ‬لعب‭ ‬دور‭ ‬أمني‭ ‬رئيسي‭ ‬في‭ ‬مناطقها،‭ ‬وأن‭ ‬تقوم‭ ‬واشنطن‭ ‬بلعب‭ ‬دور‭ ‬أقل‭ ‬مركزية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬التحالفات‭.‬

د‭. ‬شادي‭ ‬عبدالوهاب
‬أستاذ‭ ‬مشارك‭ ‬في‭ ‬كلية‭ ‬الدفاع‭ ‬الوطني‭

Facebook
WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض