شهد النظام الدولي منذ مطلع العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين تحوّلات بنيوية عميقة أعادت الاعتبار لمفردات كانت تُعدّ، إلى وقت قريب، من بقايا القرن العشرين، وفي مقدّمتها مفردة «الحرب». فقد شكّلت الحرب الروسية ـــــ الأوكرانية، بوصفها صراعاً تقليدياً واسع النطاق في قلب أوروبا، قطيعةً واضحة مع افتراضات طويلة الأمد حول نهاية الحروب بين الدول داخل الفضاء الأوروبي الغربي، وأعادت إلى الواجهة أسئلة الأمن الجماعي، والردع، والسيادة، والاستعداد المجتمعي للصراعات العسكرية.

في هذا السياق المستجد، لم تعد الحرب مسألة استراتيجية محصورة في دوائر النخب السياسية والعسكرية، بل تحوّلت إلى موضوع نقاش عام داخل المجتمعات الأوروبية الغربية، وأثّرت بصورة مباشرة في تمثّلات الأجيال الشابة لمستقبلهم، ولمكانة الدولة، ولمعنى الالتزام الجماعي. فالشباب الذين نشأوا في بيئة ما بعد الحرب الباردة، وفي ظل سرديات السلام الأوروبي، والاندماج الاقتصادي، وتراجع الخدمة العسكرية الإلزامية، وجدوا أنفسهم فجأة أمام عودة سيناريوهات كانوا يعتقدون أنها تنتمي إلى الماضي، الأمر الذي أفضى إلى إعادة طرح أسئلة جوهرية حول الدفاع، والواجب، وحدود الانخراط.
تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة الحرب بوصفها ظاهرة اجتماعية وثقافية وقيمية، لا مجرد حدث عسكري، وذلك من خلال تحليل كيفية تمثّل الشباب في أوروبا الغربية للحرب، ومدى استعدادهم النفسي والأخلاقي للانخراط فيها، وكيفية إعادة تشكّل علاقتهم بالمؤسسة العسكرية في ضوء التحولات الجيوسياسية المعاصرة.
وانطلاقاً من هذا الإطار، تهدف الدراسة إلى تحليل التحوّلات التي مست علاقة الشباب بالحرب والدفاع، اعتماداً على مقاربة سوسيولوجية ـــــ تحليلية تُزاوج بين دراسة تمثّلات الصراع، والاستعداد للانخراط، وإعادة تعريف أدوار ومشروعية المؤسسة العسكرية. ومن أجل تحقيق هذا الهدف، تنقسم الدراسة إلى أربعة أجزاء رئيسة مترابطة.
يتناول الجزء الأول الحرب في الوعي الشبابي الأوروبي، من خلال تتبّع انتقالها من الذاكرة المدرسية والسرديات التاريخية المؤسِّسة إلى حالة القلق الجيوسياسي الناتجة عن عودة الصراعات التقليدية إلى الفضاء الأوروبي. ويُعالج الجزء الثاني علاقة الشباب بالمؤسسة العسكرية، مع التركيز على إعادة تعريف دورها وشرعيتها في المخيال الشبابي، بوصفها فاعلاً أمنياً شاملاً لا يقتصر على الوظيفة القتالية وحدها. أمّا الجزء الثالث، فيُخصَّص لتحليل تعددية أنماط تمثّل الشباب الأوروبي الغربي للحرب، بما يكشف تنوّع المواقف والقيم داخل الجيل الواحد وتعدّد أشكال الالتزام الممكنة. ويختتم الجزء الرابع باستخلاص جملة من الدروس الاستراتيجية المستفادة، ذات الصلة بمستقبل الالتزام الجماعي للشباب تجاه الجيوش، وبناء المعنى، وتعزيز الصمود المجتمعي الداعم للمؤسسة العسكرية في مواجهة التهديدات المركّبة.
الحرب في الوعي الشبابي الأوروبي، من الذاكرة المدرسية إلى القلق الجيوسياسي
تُظهر نتائج الدراسات والمسوحات الحديثة أن الحرب حاضرة في وعي الشباب في أوروبا الغربية، غير أنّ هذا الحضور يظل معرفياً ورمزياً أكثر منه تجربةً معيشة. فالغالبية الساحقة من الشباب، ولا سيما في الحالة الفرنسية، لم تختبر الحرب بصورة مباشرة، ولم تعايش آثارها اليومية من دمار ونزوح وفقدان، ما يجعل علاقتهم بالحرب علاقة وسيطة تتشكّل أساساً عبر منظومة من الوسائط المتعددة، في مقدّمتها المدرسة، والإعلام، والثقافة الشعبية. ويسهم هذا الطابع غير المعيش للحرب في بناء مسافة نفسية واضحة بينها وبين الحياة اليومية للشباب، حيث تُفهم الحرب بوصفها حدثاً استثنائياً يقع خارج الزمن العادي، ولا يتقاطع مع المسارات الفردية إلا بوصفه احتمالاً نظرياً أو خطراً بعيداً.
وفي هذا السياق، تحتل الحربان العالميتان الأولى والثانية موقعاً مركزياً في الذاكرة الجماعية للشباب في أوروبا الغربية، وهو ما يعكس استمرار الدور البنيوي للمؤسسة التعليمية في تشكيل الذاكرة الوطنية. وغالباً ما تُقدَّم هاتان الحربان في المناهج التعليمية بوصفهما لحظتين مؤسستين للهوية الوطنية الحديثة، ارتبطتا بالمقاومة والتحرير والتضحية الجماعية. غير أنّ هذا الحضور المكثف لا يترجم بالضرورة إلى فهم نقدي لطبيعة الحرب وتعقيداتها، بقدر ما يعكس تثبيتاً لسردية وطنية ترى في الحرب لحظة ضرورة تاريخية أكثر مما تراها مأساة إنسانية شاملة، وهو ما يؤدي إلى نوع من «تطبيع استثنائية الحرب»، أي قبولها ضمن شروط محددة دون مساءلة عميقة لمنطقها السياسي والأخلاقي.
في المقابل، تكشف الدراسات عن ضعف ملحوظ في حضور الحروب الاستعمارية، وعلى رأسها حرب الجزائر، في وعي الشباب الأوروبي الغربي، وهو ما يعكس استمرار توتر الذاكرة الاستعمارية داخل المجتمعات الأوروبية، وصعوبة إدماج هذه التجارب ضمن سردية وطنية جامعة. ولا يخلو هذا الصمت الذاكري من آثار بعيدة المدى، إذ يساهم في إنتاج تصور انتقائي للحرب يُبرز بعدها الدفاعي المشروع، ويُهمّش أشكال العنف غير المتناظر، والقمع، والانتهاكات المرتبطة بالسياق الاستعماري. وبهذا المعنى، يُعاد إنتاج وعي شبابي يميل إلى تصور «الحرب العادلة» دون امتلاك أدوات نقدية شاملة للتعامل مع الحرب بوصفها ظاهرة تاريخية وسياسية وأخلاقية معقّدة.
وقد شكّلت الحرب في أوكرانيا اختراقاً نوعياً في وعي الشباب الأوروبي الغربي، باعتبارها أول حرب تقليدية واسعة النطاق في أوروبا منذ عقود. ويصرّح معظم الشباب بأنهم يتابعون مجرياتها ويشعرون بالقلق إزاء تداعياتها، سواء على مستوى الأمن الأوروبي أو الاستقرار الاقتصادي. غير أن هذا القلق لا يتحول بالضرورة إلى تعبئة سياسية أو فكرية، إذ تبقى المعرفة بالحرب في الغالب سطحية ومجزّأة، قائمة على تدفقات إعلامية سريعة، ما يفضي إلى إنتاج وعي قَلِق، لكنه غير منظَّم، ولا مؤطَّر ضمن رؤية تحليلية أو استراتيجية واضحة.
الشباب والمؤسسة العسكرية، إعادة تعريف الدور والشرعية
تكشف الدراسات التي تلت الحرب الروسية الأوكرانية أن العلاقة بين الشباب والمؤسسة العسكرية في السياق أوروبا الغربية تشهد تحوّلاً نوعياً في تمثّل الدور والشرعية، بعيداً عن التصورات التقليدية التي حصرت الجيش في وظيفته القتالية الصِرفة. فلم تعد المؤسسة العسكرية تُدرَك أساساً بوصفها أداة مخصّصة لإدارة الحروب بين الدول، بل بات يُنظر إليها بوصفها فاعلاً أمنياً شاملاً، يتداخل حضوره مع مجالات حماية المجتمع، وإدارة الأزمات، ومواجهة التهديدات المركّبة، سواء كانت إرهابية، صحية، سيبرانية، أو مرتبطة بالكوارث الطبيعية. ويُسهم هذا الاتساع الوظيفي في إعادة بناء شرعية اجتماعية متجددة للمؤسسة العسكرية لدى فئات واسعة من الشباب، في سياق تتآكل فيه الثقة بمؤسسات سياسية ومدنية أخرى، ويزداد فيه الشعور بعدم اليقين تجاه المستقبل.
وتُظهر نتائج الاستطلاعات أن الجيش يُعدّ من أكثر المؤسسات التي تحظى بثقة الشباب، بل يتقدّم في هذا المجال على مؤسسات مدنية مركزية، وهو ما يعكس تموضعه الرمزي كضامن أخير للأمن والاستقرار في أزمنة الأزمات. غير أن هذه الثقة العالية لا تُترجم تلقائياً إلى استعداد واسع للانخراط المهني الدائم في المؤسسة العسكرية. فالشباب، وإن كانوا يثمّنون دور الجيش ويقرّون بشرعيته، لا يرون فيه بالضرورة مساراً مهنياً يتوافق مع تطلعاتهم الفردية، أو مع تصوراتهم عن العمل، والذات، والاستقلالية، وأنماط الحياة المعاصرة. ويُلاحظ هنا وجود مفارقة لافتة: ثقة مؤسسية مرتفعة يقابلها حذر مهني واضح، ما يدل على تمييز واعٍ لدى الشباب بين دعم الدور العام للمؤسسة العسكرية، والاستعداد لتحمّل كلف الانخراط الشخصي طويل الأمد فيها. ويُعزَّز هذا الحذر بعوامل بنيوية وثقافية، من بينها تحوّل منظومات القيم المرتبطة بالعمل، وتزايد مركزية تحقيق الذات، ورفض الانضباط الصارم والتراتبية الصلبة التي ما تزال تُميّز الحياة العسكرية في المخيال الشبابي. كما تلعب طبيعة الحروب المعاصرة، بما تنطوي عليه من مخاطر مرتفعة، وضبابية في الأهداف، وتداخل بين الجبهات العسكرية والمدنية، دوراً في إعادة تشكيل حدود القبول الأخلاقي والنفسي لفكرة الانخراط القتالي. فحتى حين يُبدي الشباب استعداداً مبدئياً للدفاع عن الوطن في حال تعرّضه لتهديد مباشر، فإن هذا الاستعداد يبقى مشروطاً، ومحدوداً في الزمن والوظيفة، ولا يُعبّر بالضرورة عن قبول غير مشروط بمنطق الحرب أو بعسكرة الحياة الاجتماعية.
كما تكشف الدراسات، في الوقت ذاته، عن تباينات داخل الجيل الواحد في العلاقة بالمؤسسة العسكرية، تتأثر بعوامل متعددة، من بينها النوع الاجتماعي، والخلفية الاجتماعية، ومستوى التعليم، والتموضع الإيديولوجي. فالشباب الذكور يميلون عموماً إلى إبداء اهتمام أكبر بالشأن العسكري مقارنة بالإناث، كما أن الفئات ذات التموقع السياسي اليميني تُظهر مستويات أعلى من القبول بالمنظور العسكري للأمن والدفاع، في حين يتسم موقف الشباب ذوي الميول اليسارية بمزيد من التحفّظ، وإن كان هذا التحفّظ لا يصل إلى حدود العداء الصريح للمؤسسة العسكرية كما كان الحال في أجيال سابقة. ويشير هذا المعطى إلى تراجع النزعة المعادية للعسكرة داخل الأوساط الشبابية، مقابل صعود مقاربة أكثر براغماتية ترى في الجيش أداة ضرورية، وإن كانت غير مثالية، في عالم يتّسم بتكاثر التهديدات.
وعليه، يمكن القول إن العلاقة بين الشباب والمؤسسة العسكرية لم تعد تُختزل في ثنائية القبول أو الرفض، بل باتت علاقة مركّبة تقوم على الاعتراف بالدور، والثقة بالوظيفة، مقابل إعادة تفاوض مستمرة حول حدود الالتزام، وشروط الشرعية، ومعنى التضحية. وهي علاقة تعكس، في العمق، تحوّلاً أوسع في نموذج الرابط بين المجتمع المدني والمؤسسة العسكرية في أوروبا، حيث لم تعد الشرعية تُستمد فقط من الذاكرة البطولية للحروب الماضية، بل من القدرة على حماية المجتمع في الحاضر، وإدارة المخاطر المستقبلية ضمن أفق ديمقراطي يحاول التوفيق بين متطلبات الأمن وحساسيات الجيل الجديد تجاه السلطة والعنف المنظَّم.

تعددية في أنماط تمثّل الشباب الأوروبي الغربي للحرب
تكشف الدراسات عن تعددية واضحة في أنماط تمثّل الشباب للحرب، بما ينفي أي تصور اختزالي يتعامل مع الجيل الشاب بوصفه كتلة متجانسة في مواقفه أو استعداداته. فبدل الانقسام الثنائي التقليدي بين مؤيدين ورافضين، تُظهر المعطيات وجود طيف من المواقف المتدرجة، تتشكّل عند تقاطع الذاكرة التاريخية، والتحولات القيمية، والتجارب الاجتماعية، والتموضع السياسي.
يُمكن تمييز نمط أول من الشباب يمكن وصفه بالوطنيين القلقين، وهم الذين ينظرون إلى الحرب بوصفها تهديداً واقعياً للأمن والسيادة، ويبدون استعداداً مبدئياً للدفاع عن الدولة في حال تعرّضها لخطر مباشر. غير أن هذا الاستعداد لا يقوم على حماسة أيديولوجية أو تمجيد للحرب، بل على إدراك واقعي لهشاشة الاستقرار الدولي، وعلى تصور دفاعي مشروط يضع حماية الجماعة فوق الاعتبارات الفردية في لحظات استثنائية.
في المقابل، يبرز نمط ثانٍ يمكن توصيفه بالإنسانيين الحذرين، وهم الشباب الذين يرفضون الحرب من حيث المبدأ، وينظرون إليها أساساً بوصفها مأساة إنسانية، لا أداة سياسية مشروعة. ويميل أفراد هذا النمط إلى تفضيل أشكال بديلة من الالتزام، مثل العمل الإنساني، أو الدعم المدني، أو المساهمة في جهود الإغاثة، معتبرين أن الدفاع عن القيم لا يمرّ بالضرورة عبر العنف المسلّح. ومع ذلك، لا يتّسم موقفهم بالعداء المطلق للمؤسسة العسكرية، بل بالحذر الأخلاقي تجاه استخدام القوة
إلى جانب ذلك، تظهر فئة ثالثة من الشباب يمكن وصفها باللامبالين أو المنفصلين، وهم الذين لا تحتل الحرب موقعاً مركزياً في اهتماماتهم أو تمثّلاتهم. تنشغل هذه الفئة بقضايا أخرى تُعدّ أكثر إلحاحاً في حياتهم اليومية، مثل العمل، والبيئة، والعدالة الاجتماعية، وتتعامل مع الحرب بوصفها شأناً بعيداً عن تجربتهم المباشرة، أو مسألة تخصّ النخب السياسية والعسكرية أكثر مما تخصّهم كأفراد.
ولا تعبّر هذه الأنماط عن مواقف ثابتة أو مغلقة، بل عن مواقع ذهنية وقيمية قابلة للتحوّل تبعًا للسياق، وطبيعة التهديد، وشروط الصراع. وهي تعكس في مجموعها تحوّلاً أعمق في علاقة الشباب بالحرب، حيث لم تعد المواقف تُبنى على سرديات كبرى جاهزة، بل على توازن دقيق بين الاعتبارات الأخلاقية، والواقعية السياسية، ومركزية الفرد في منظومة القيم المعاصرة.
دروس استراتيجية مستفادة
يمكن استخلاص حزمة من الدروس الاستراتيجية والعملية، بوصفها مرآةً تحذيرية وفرصةً استباقية في آنٍ واحد، تُسهم في تعزيز الاستقرار، وترسيخ الالتزام الوطني، وبناء علاقة صحية ومستدامة بين الشباب والدولة في زمن التحوّلات الكبرى.
1. الوعي دون تعبئة لا يكفي، أهمية الاستثمار في المعنى لا في الخوف: تُظهر التجربة الأوروبية أن ارتفاع الوعي بالتهديدات لا يقود تلقائياً إلى استعداد جماعي فعّال. والدرس هنا أن الأمن لا يُبنى فقط عبر إدارة المخاطر، بل عبر صناعة المعنى: لماذا الدفاع؟ عن ماذا؟ وبأي حدود؟ إن ترسيخ سردية وطنية إيجابية حول الأمن والدفاع، مرتبطة بالسيادة والتنمية والإنسان، يُحصّن الشباب من القلق غير المنتج، ويحوّله إلى التزام واعٍ ومسؤول.
2. الشرعية الحديثة للمؤسسة العسكرية تقوم على الوظيفة الشاملة: ارتبط نجاح المؤسسة العسكرية في المخيال الشبابي الأوروبي باتساع أدوارها لتشمل إدارة الأزمات، وحماية المجتمع، والاستجابة للكوارث، والمساندة الإنسانية. وتشير الدروس المستفادة إلى أهمية تعميق هذا المسار عبر إبراز الجيش بوصفه فاعلاً وطنياً شاملاً، دفاعياً وأمنياً وإنسانياً، بما يعزّز الثقة المجتمعية دون الانزلاق إلى عسكرة المجال العام.
3. التعليم والذاكرة، التحصين عبر الشمول لا الانتقاء: تُبيّن الحالة الأوروبية أن الانتقائية في الذاكرة التاريخية تُنتج وعياً هشاً وقابلاً للاهتزاز. ويكمن الدرس في الاستثمار في تعليم تاريخي وأخلاقي شامل، يوازن بين الإنجاز والتكلفة، ويُنمّي الحس النقدي دون تقويض الانتماء الوطني. فذلك يُسهم في تكوين مواطن واثق، لا متردد ولا منسحب من المجال العام.
4. الثقافة الرقمية، إمّا مُربِكة أو مُعبِّئة، وفقاً لأسلوب الإدارة: قد تُفضي الوسائط الرقمية السريعة إلى إنتاج تصوّرات خاطئة أو مُبسَّطة عن الجيوش ووظائفها وأدوارها الفعلية، بما يُسهم في تشويه الفهم العام لطبيعة العمل العسكري وتعقيداته. ويكمن الدرس في ضرورة إنتاج محتوى معرفي جذّاب ومتوازن، يُبرز أدوار الخدمة والحماية والإنقاذ، ويقدّم نماذج قدوة واقعية تُجسّد القيم المهنية والإنسانية للمؤسسة العسكرية، بما يحوّل التكنولوجيا من مصدر للتشويش والانفعال إلى أداة وعي وبناء وتعبئة رشيدة.
5. التعدّد داخل الجيل الواحد حقيقة، والسياسة الذكية تُخاطبه: يؤكد تنوّع أنماط الشباب (الواقعي الدفاعي، الإنساني، غير المكترث) أن الخطاب الأحادي لم يعد كافياً. وتتطلّب الاستجابة الفعّالة سياسات تفاضلية قادرة على مخاطبة هذا التعدّد، وتصميم مسارات انتماء متعددة، تحت مظلة وطنية جامعة تستوعب التنوع الاجتماعي والثقافي.
6. الالتزام الشبابي معيار قوة الدولة في زمن اللايقين: لم تعد قوة الدولة في زمن اللايقين تُقاس فقط بالجاهزية الصلبة، بل بقدرتها على بناء التزام شبابي واعٍ، أخلاقي، ومتعدد الأشكال. ومن خلال استباق التحوّلات التي كشفتها الحالة الأوروبية، يمكن للدول الساعية إلى الريادة أن تُرسّخ نموذجاً متوازناً يجمع بين الأمن، والمواطنة، والإنسان.
7. الدفاع بوصفه معنى لا تهديداً، نحو نموذج جديد للالتزام الشباب: تُظهر هذه الدراسة أن الوعي بالتهديدات لا يتحوّل تلقائياً إلى استعداد جماعي فعّال ما لم يُقرَن ببناء معنى واضح ومقنع للأمن والدفاع، يُجيب عن أسئلة الغاية والحدود والمشروعية. كما يتبيّن أن الشرعية العسكرية في زمن اللايقين تُستمدّ أساساً من الوظيفة الشاملة للمؤسسة العسكرية في حماية المجتمع وإدارة الأزمات، لا من منطق القوة الصلبة وحده. وفي هذا الإطار، تمثّل ميادين التعليم، والذاكرة الجماعية، والثقافة الرقمية ساحات حاسمة في تشكيل علاقة الشباب بالجيوش وبالحرب؛ إذ إن إدارتها الانتقائية أو الانفعالية تُنتج وعياً هشاً وقابلاً للاهتزاز، بينما يتيح توظيفها الواعي بناء التزام شبابي رشيد، ومستقر، وقادر على الصمود في مواجهة تحوّلات البيئة الأمنية المعاصرة.
8. الدفاع الشامل، تكامل الجيش والمجتمع في زمن التهديدات المركّبة: الدفاع أصبح أكثر من أي وقت مضى استجابة مركزية تقودها الدولة بمساندة المجتمع، فلقد أصبح أيضاً ممارسة مجتمعية موزّعة، تقوم على الجاهزية الفردية، والمسؤولية المحلية، والقدرة على الصمود في حالات تعطّل البُنى التقليدية للدعم والإمداد. ولا يُنظر إلى الاعتماد على الذات، ضمن هذا النموذج، باعتباره بديلاً عن الدولة أو تقويضاً لدورها، بل بوصفه مكمّلاً لوظيفتها السيادية، بما يخفّف الضغط عن المؤسسات المركزية ويعزّز مناعة المجتمع في الأزمات الممتدّة. وبهذا المعنى، يتحوّل الدفاع إلى التزام يومي واعٍ، متجذّر في الثقة المتبادلة بين الدولة والمواطنين، ويقدّم إجابة معاصرة عن سؤال الصمود الجماعي في زمن التهديدات المركّبة والمتداخلة.
خاتمة
في المحصّلة، تُبيّن هذه الدراسة أن التحوّلات المرصودة في علاقة الشباب الأوروبي الغربي بالحرب وبالمؤسسة العسكرية تعبّر عن تحوّل بنيوي في أنماط إنتاج الشرعية والالتزام الجماعي داخل المجتمعات المعاصرة. فالدفاع لم يعد يُبنى، كما في النماذج التعبوية التقليدية، على الذاكرة البطولية أو الامتثال غير المشروط، بل أصبح، أكثر من أي وقت مضى، قائماً على معادلة مركّبة تتأسّس على المعنى، والوظيفة، والمشروعية الأخلاقية، وتكامل الأدوار بين الدولة والمجتمع. وبهذا المعنى، تكشف الحالة الأوروبية عن انتقال واضح من نموذج دفاعي تعبوي إلى نموذج دفاعي تفاعلي، يُعاد فيه تعريف الحرب بوصفها احتمالاً يُدار اجتماعياً بقدر ما يُدار عسكرياً، ويُعاد فيه تصور الالتزام بوصفه ممارسة واعية ومتعدّدة الأشكال، لا التزاماً قسرياً أو أحادي البعد. إن استيعاب هذا التحوّل لا يكتسي أهمية تحليلية فحسب، بل يقدّم إطاراً مرجعياً لفهم شروط الصمود الجماعي التشاركي بين الدولة ومؤسساتها العسكرية والمجتمع، ولا سيما فئة الشباب، في زمن تتداخل فيه التهديدات العسكرية، والسيبرانية، والاقتصادية، والرمزية، بما يجعل من بناء المعنى وترسيخ الشرعية شرطاً لا غنى عنه لأي سياسة دفاعية مستدامة في القرن الحادي والعشرين.
الأستاذ الدكتور وائل صالح
مستشار بمركز تريندز للبحوث والاستشارات










