Youth

الشباب والحرب في السياق الأوروبي المعاصر

شهد‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬منذ‭ ‬مطلع‭ ‬العقد‭ ‬الثالث‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭ ‬تحوّلات‭ ‬بنيوية‭ ‬عميقة‭ ‬أعادت‭ ‬الاعتبار‭ ‬لمفردات‭ ‬كانت‭ ‬تُعدّ،‭ ‬إلى‭ ‬وقت‭ ‬قريب،‭ ‬من‭ ‬بقايا‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬وفي‭ ‬مقدّمتها‭ ‬مفردة‭ ‬‮«‬الحرب‮»‬‭. ‬فقد‭ ‬شكّلت‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬ـــــ‭ ‬الأوكرانية،‭ ‬بوصفها‭ ‬صراعاً‭ ‬تقليدياً‭ ‬واسع‭ ‬النطاق‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬أوروبا،‭ ‬قطيعةً‭ ‬واضحة‭ ‬مع‭ ‬افتراضات‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭ ‬حول‭ ‬نهاية‭ ‬الحروب‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬داخل‭ ‬الفضاء‭ ‬الأوروبي‭ ‬الغربي،‭ ‬وأعادت‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭ ‬أسئلة‭ ‬الأمن‭ ‬الجماعي،‭ ‬والردع،‭ ‬والسيادة،‭ ‬والاستعداد‭ ‬المجتمعي‭ ‬للصراعات‭ ‬العسكرية‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬المستجد،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الحرب‭ ‬مسألة‭ ‬استراتيجية‭ ‬محصورة‭ ‬في‭ ‬دوائر‭ ‬النخب‭ ‬السياسية‭ ‬والعسكرية،‭ ‬بل‭ ‬تحوّلت‭ ‬إلى‭ ‬موضوع‭ ‬نقاش‭ ‬عام‭ ‬داخل‭ ‬المجتمعات‭ ‬الأوروبية‭ ‬الغربية،‭ ‬وأثّرت‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬في‭ ‬تمثّلات‭ ‬الأجيال‭ ‬الشابة‭ ‬لمستقبلهم،‭ ‬ولمكانة‭ ‬الدولة،‭ ‬ولمعنى‭ ‬الالتزام‭ ‬الجماعي‭. ‬فالشباب‭ ‬الذين‭ ‬نشأوا‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬سرديات‭ ‬السلام‭ ‬الأوروبي،‭ ‬والاندماج‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬وتراجع‭ ‬الخدمة‭ ‬العسكرية‭ ‬الإلزامية،‭ ‬وجدوا‭ ‬أنفسهم‭ ‬فجأة‭ ‬أمام‭ ‬عودة‭ ‬سيناريوهات‭ ‬كانوا‭ ‬يعتقدون‭ ‬أنها‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬الماضي،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أفضى‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬طرح‭ ‬أسئلة‭ ‬جوهرية‭ ‬حول‭ ‬الدفاع،‭ ‬والواجب،‭ ‬وحدود‭ ‬الانخراط‭.‬

تسعى‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬إلى‭ ‬مقاربة‭ ‬الحرب‭ ‬بوصفها‭ ‬ظاهرة‭ ‬اجتماعية‭ ‬وثقافية‭ ‬وقيمية،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬حدث‭ ‬عسكري،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تحليل‭ ‬كيفية‭ ‬تمثّل‭ ‬الشباب‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬الغربية‭ ‬للحرب،‭ ‬ومدى‭ ‬استعدادهم‭ ‬النفسي‭ ‬والأخلاقي‭ ‬للانخراط‭ ‬فيها،‭ ‬وكيفية‭ ‬إعادة‭ ‬تشكّل‭ ‬علاقتهم‭ ‬بالمؤسسة‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬التحولات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬المعاصرة‭.‬

وانطلاقاً‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬تهدف‭ ‬الدراسة‭ ‬إلى‭ ‬تحليل‭ ‬التحوّلات‭ ‬التي‭ ‬مست‭ ‬علاقة‭ ‬الشباب‭ ‬بالحرب‭ ‬والدفاع،‭ ‬اعتماداً‭ ‬على‭ ‬مقاربة‭ ‬سوسيولوجية‭ ‬ـــــ‭ ‬تحليلية‭ ‬تُزاوج‭ ‬بين‭ ‬دراسة‭ ‬تمثّلات‭ ‬الصراع،‭ ‬والاستعداد‭ ‬للانخراط،‭ ‬وإعادة‭ ‬تعريف‭ ‬أدوار‭ ‬ومشروعية‭ ‬المؤسسة‭ ‬العسكرية‭. ‬ومن‭ ‬أجل‭ ‬تحقيق‭ ‬هذا‭ ‬الهدف،‭ ‬تنقسم‭ ‬الدراسة‭ ‬إلى‭ ‬أربعة‭ ‬أجزاء‭ ‬رئيسة‭ ‬مترابطة‭.‬

يتناول‭ ‬الجزء‭ ‬الأول‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬الشبابي‭ ‬الأوروبي،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تتبّع‭ ‬انتقالها‭ ‬من‭ ‬الذاكرة‭ ‬المدرسية‭ ‬والسرديات‭ ‬التاريخية‭ ‬المؤسِّسة‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬القلق‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬عودة‭ ‬الصراعات‭ ‬التقليدية‭ ‬إلى‭ ‬الفضاء‭ ‬الأوروبي‭. ‬ويُعالج‭ ‬الجزء‭ ‬الثاني‭ ‬علاقة‭ ‬الشباب‭ ‬بالمؤسسة‭ ‬العسكرية،‭ ‬مع‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬دورها‭ ‬وشرعيتها‭ ‬في‭ ‬المخيال‭ ‬الشبابي،‭ ‬بوصفها‭ ‬فاعلاً‭ ‬أمنياً‭ ‬شاملاً‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬الوظيفة‭ ‬القتالية‭ ‬وحدها‭. ‬أمّا‭ ‬الجزء‭ ‬الثالث،‭ ‬فيُخصَّص‭ ‬لتحليل‭ ‬تعددية‭ ‬أنماط‭ ‬تمثّل‭ ‬الشباب‭ ‬الأوروبي‭ ‬الغربي‭ ‬للحرب،‭ ‬بما‭ ‬يكشف‭ ‬تنوّع‭ ‬المواقف‭ ‬والقيم‭ ‬داخل‭ ‬الجيل‭ ‬الواحد‭ ‬وتعدّد‭ ‬أشكال‭ ‬الالتزام‭ ‬الممكنة‭. ‬ويختتم‭ ‬الجزء‭ ‬الرابع‭ ‬باستخلاص‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬الدروس‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬المستفادة،‭ ‬ذات‭ ‬الصلة‭ ‬بمستقبل‭ ‬الالتزام‭ ‬الجماعي‭ ‬للشباب‭ ‬تجاه‭ ‬الجيوش،‭ ‬وبناء‭ ‬المعنى،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الصمود‭ ‬المجتمعي‭ ‬الداعم‭ ‬للمؤسسة‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬التهديدات‭ ‬المركّبة‭.‬

الحرب‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬الشبابي‭ ‬الأوروبي،‭ ‬من‭ ‬الذاكرة‭ ‬المدرسية‭ ‬إلى‭ ‬القلق‭ ‬الجيوسياسي

تُظهر‭ ‬نتائج‭ ‬الدراسات‭ ‬والمسوحات‭ ‬الحديثة‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬وعي‭ ‬الشباب‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬الغربية،‭ ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬الحضور‭ ‬يظل‭ ‬معرفياً‭ ‬ورمزياً‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬تجربةً‭ ‬معيشة‭. ‬فالغالبية‭ ‬الساحقة‭ ‬من‭ ‬الشباب،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬الحالة‭ ‬الفرنسية،‭ ‬لم‭ ‬تختبر‭ ‬الحرب‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة،‭ ‬ولم‭ ‬تعايش‭ ‬آثارها‭ ‬اليومية‭ ‬من‭ ‬دمار‭ ‬ونزوح‭ ‬وفقدان،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬علاقتهم‭ ‬بالحرب‭ ‬علاقة‭ ‬وسيطة‭ ‬تتشكّل‭ ‬أساساً‭ ‬عبر‭ ‬منظومة‭ ‬من‭ ‬الوسائط‭ ‬المتعددة،‭ ‬في‭ ‬مقدّمتها‭ ‬المدرسة،‭ ‬والإعلام،‭ ‬والثقافة‭ ‬الشعبية‭. ‬ويسهم‭ ‬هذا‭ ‬الطابع‭ ‬غير‭ ‬المعيش‭ ‬للحرب‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬مسافة‭ ‬نفسية‭ ‬واضحة‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬للشباب،‭ ‬حيث‭ ‬تُفهم‭ ‬الحرب‭ ‬بوصفها‭ ‬حدثاً‭ ‬استثنائياً‭ ‬يقع‭ ‬خارج‭ ‬الزمن‭ ‬العادي،‭ ‬ولا‭ ‬يتقاطع‭ ‬مع‭ ‬المسارات‭ ‬الفردية‭ ‬إلا‭ ‬بوصفه‭ ‬احتمالاً‭ ‬نظرياً‭ ‬أو‭ ‬خطراً‭ ‬بعيداً‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تحتل‭ ‬الحربان‭ ‬العالميتان‭ ‬الأولى‭ ‬والثانية‭ ‬موقعاً‭ ‬مركزياً‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجماعية‭ ‬للشباب‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬الغربية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬استمرار‭ ‬الدور‭ ‬البنيوي‭ ‬للمؤسسة‭ ‬التعليمية‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬الذاكرة‭ ‬الوطنية‭. ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬تُقدَّم‭ ‬هاتان‭ ‬الحربان‭ ‬في‭ ‬المناهج‭ ‬التعليمية‭ ‬بوصفهما‭ ‬لحظتين‭ ‬مؤسستين‭ ‬للهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬الحديثة،‭ ‬ارتبطتا‭ ‬بالمقاومة‭ ‬والتحرير‭ ‬والتضحية‭ ‬الجماعية‭. ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬الحضور‭ ‬المكثف‭ ‬لا‭ ‬يترجم‭ ‬بالضرورة‭ ‬إلى‭ ‬فهم‭ ‬نقدي‭ ‬لطبيعة‭ ‬الحرب‭ ‬وتعقيداتها،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬تثبيتاً‭ ‬لسردية‭ ‬وطنية‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬لحظة‭ ‬ضرورة‭ ‬تاريخية‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تراها‭ ‬مأساة‭ ‬إنسانية‭ ‬شاملة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬‮«‬تطبيع‭ ‬استثنائية‭ ‬الحرب‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬قبولها‭ ‬ضمن‭ ‬شروط‭ ‬محددة‭ ‬دون‭ ‬مساءلة‭ ‬عميقة‭ ‬لمنطقها‭ ‬السياسي‭ ‬والأخلاقي‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬تكشف‭ ‬الدراسات‭ ‬عن‭ ‬ضعف‭ ‬ملحوظ‭ ‬في‭ ‬حضور‭ ‬الحروب‭ ‬الاستعمارية،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬حرب‭ ‬الجزائر،‭ ‬في‭ ‬وعي‭ ‬الشباب‭ ‬الأوروبي‭ ‬الغربي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬استمرار‭ ‬توتر‭ ‬الذاكرة‭ ‬الاستعمارية‭ ‬داخل‭ ‬المجتمعات‭ ‬الأوروبية،‭ ‬وصعوبة‭ ‬إدماج‭ ‬هذه‭ ‬التجارب‭ ‬ضمن‭ ‬سردية‭ ‬وطنية‭ ‬جامعة‭. ‬ولا‭ ‬يخلو‭ ‬هذا‭ ‬الصمت‭ ‬الذاكري‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬بعيدة‭ ‬المدى،‭ ‬إذ‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬تصور‭ ‬انتقائي‭ ‬للحرب‭ ‬يُبرز‭ ‬بعدها‭ ‬الدفاعي‭ ‬المشروع،‭ ‬ويُهمّش‭ ‬أشكال‭ ‬العنف‭ ‬غير‭ ‬المتناظر،‭ ‬والقمع،‭ ‬والانتهاكات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالسياق‭ ‬الاستعماري‭. ‬وبهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬يُعاد‭ ‬إنتاج‭ ‬وعي‭ ‬شبابي‭ ‬يميل‭ ‬إلى‭ ‬تصور‭ ‬‮«‬الحرب‭ ‬العادلة‮»‬‭ ‬دون‭ ‬امتلاك‭ ‬أدوات‭ ‬نقدية‭ ‬شاملة‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬الحرب‭ ‬بوصفها‭ ‬ظاهرة‭ ‬تاريخية‭ ‬وسياسية‭ ‬وأخلاقية‭ ‬معقّدة‭.‬

وقد‭ ‬شكّلت‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬اختراقاً‭ ‬نوعياً‭ ‬في‭ ‬وعي‭ ‬الشباب‭ ‬الأوروبي‭ ‬الغربي،‭ ‬باعتبارها‭ ‬أول‭ ‬حرب‭ ‬تقليدية‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭. ‬ويصرّح‭ ‬معظم‭ ‬الشباب‭ ‬بأنهم‭ ‬يتابعون‭ ‬مجرياتها‭ ‬ويشعرون‭ ‬بالقلق‭ ‬إزاء‭ ‬تداعياتها،‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الأمن‭ ‬الأوروبي‭ ‬أو‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاقتصادي‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬القلق‭ ‬لا‭ ‬يتحول‭ ‬بالضرورة‭ ‬إلى‭ ‬تعبئة‭ ‬سياسية‭ ‬أو‭ ‬فكرية،‭ ‬إذ‭ ‬تبقى‭ ‬المعرفة‭ ‬بالحرب‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬سطحية‭ ‬ومجزّأة،‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬تدفقات‭ ‬إعلامية‭ ‬سريعة،‭ ‬ما‭ ‬يفضي‭ ‬إلى‭ ‬إنتاج‭ ‬وعي‭ ‬قَلِق،‭ ‬لكنه‭ ‬غير‭ ‬منظَّم،‭ ‬ولا‭ ‬مؤطَّر‭ ‬ضمن‭ ‬رؤية‭ ‬تحليلية‭ ‬أو‭ ‬استراتيجية‭ ‬واضحة‭.‬

الشباب‭ ‬والمؤسسة‭ ‬العسكرية،‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬الدور‭ ‬والشرعية

تكشف‭ ‬الدراسات‭ ‬التي‭ ‬تلت‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬الأوكرانية‭ ‬أن‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الشباب‭ ‬والمؤسسة‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬السياق‭ ‬أوروبا‭ ‬الغربية‭ ‬تشهد‭ ‬تحوّلاً‭ ‬نوعياً‭ ‬في‭ ‬تمثّل‭ ‬الدور‭ ‬والشرعية،‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬التصورات‭ ‬التقليدية‭ ‬التي‭ ‬حصرت‭ ‬الجيش‭ ‬في‭ ‬وظيفته‭ ‬القتالية‭ ‬الصِرفة‭. ‬فلم‭ ‬تعد‭ ‬المؤسسة‭ ‬العسكرية‭ ‬تُدرَك‭ ‬أساساً‭ ‬بوصفها‭ ‬أداة‭ ‬مخصّصة‭ ‬لإدارة‭ ‬الحروب‭ ‬بين‭ ‬الدول،‭ ‬بل‭ ‬بات‭ ‬يُنظر‭ ‬إليها‭ ‬بوصفها‭ ‬فاعلاً‭ ‬أمنياً‭ ‬شاملاً،‭ ‬يتداخل‭ ‬حضوره‭ ‬مع‭ ‬مجالات‭ ‬حماية‭ ‬المجتمع،‭ ‬وإدارة‭ ‬الأزمات،‭ ‬ومواجهة‭ ‬التهديدات‭ ‬المركّبة،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬إرهابية،‭ ‬صحية،‭ ‬سيبرانية،‭ ‬أو‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالكوارث‭ ‬الطبيعية‭. ‬ويُسهم‭ ‬هذا‭ ‬الاتساع‭ ‬الوظيفي‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬شرعية‭ ‬اجتماعية‭ ‬متجددة‭ ‬للمؤسسة‭ ‬العسكرية‭ ‬لدى‭ ‬فئات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الشباب،‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬تتآكل‭ ‬فيه‭ ‬الثقة‭ ‬بمؤسسات‭ ‬سياسية‭ ‬ومدنية‭ ‬أخرى،‭ ‬ويزداد‭ ‬فيه‭ ‬الشعور‭ ‬بعدم‭ ‬اليقين‭ ‬تجاه‭ ‬المستقبل‭.‬

وتُظهر‭ ‬نتائج‭ ‬الاستطلاعات‭ ‬أن‭ ‬الجيش‭ ‬يُعدّ‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬المؤسسات‭ ‬التي‭ ‬تحظى‭ ‬بثقة‭ ‬الشباب،‭ ‬بل‭ ‬يتقدّم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬على‭ ‬مؤسسات‭ ‬مدنية‭ ‬مركزية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬تموضعه‭ ‬الرمزي‭ ‬كضامن‭ ‬أخير‭ ‬للأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬في‭ ‬أزمنة‭ ‬الأزمات‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الثقة‭ ‬العالية‭ ‬لا‭ ‬تُترجم‭ ‬تلقائياً‭ ‬إلى‭ ‬استعداد‭ ‬واسع‭ ‬للانخراط‭ ‬المهني‭ ‬الدائم‭ ‬في‭ ‬المؤسسة‭ ‬العسكرية‭. ‬فالشباب،‭ ‬وإن‭ ‬كانوا‭ ‬يثمّنون‭ ‬دور‭ ‬الجيش‭ ‬ويقرّون‭ ‬بشرعيته،‭ ‬لا‭ ‬يرون‭ ‬فيه‭ ‬بالضرورة‭ ‬مساراً‭ ‬مهنياً‭ ‬يتوافق‭ ‬مع‭ ‬تطلعاتهم‭ ‬الفردية،‭ ‬أو‭ ‬مع‭ ‬تصوراتهم‭ ‬عن‭ ‬العمل،‭ ‬والذات،‭ ‬والاستقلالية،‭ ‬وأنماط‭ ‬الحياة‭ ‬المعاصرة‭. ‬ويُلاحظ‭ ‬هنا‭ ‬وجود‭ ‬مفارقة‭ ‬لافتة‭: ‬ثقة‭ ‬مؤسسية‭ ‬مرتفعة‭ ‬يقابلها‭ ‬حذر‭ ‬مهني‭ ‬واضح،‭ ‬ما‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬تمييز‭ ‬واعٍ‭ ‬لدى‭ ‬الشباب‭ ‬بين‭ ‬دعم‭ ‬الدور‭ ‬العام‭ ‬للمؤسسة‭ ‬العسكرية،‭ ‬والاستعداد‭ ‬لتحمّل‭ ‬كلف‭ ‬الانخراط‭ ‬الشخصي‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭ ‬فيها‭. ‬ويُعزَّز‭ ‬هذا‭ ‬الحذر‭ ‬بعوامل‭ ‬بنيوية‭ ‬وثقافية،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬تحوّل‭ ‬منظومات‭ ‬القيم‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالعمل،‭ ‬وتزايد‭ ‬مركزية‭ ‬تحقيق‭ ‬الذات،‭ ‬ورفض‭ ‬الانضباط‭ ‬الصارم‭ ‬والتراتبية‭ ‬الصلبة‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬تُميّز‭ ‬الحياة‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬المخيال‭ ‬الشبابي‭. ‬كما‭ ‬تلعب‭ ‬طبيعة‭ ‬الحروب‭ ‬المعاصرة،‭ ‬بما‭ ‬تنطوي‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬مخاطر‭ ‬مرتفعة،‭ ‬وضبابية‭ ‬في‭ ‬الأهداف،‭ ‬وتداخل‭ ‬بين‭ ‬الجبهات‭ ‬العسكرية‭ ‬والمدنية،‭ ‬دوراً‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬حدود‭ ‬القبول‭ ‬الأخلاقي‭ ‬والنفسي‭ ‬لفكرة‭ ‬الانخراط‭ ‬القتالي‭. ‬فحتى‭ ‬حين‭ ‬يُبدي‭ ‬الشباب‭ ‬استعداداً‭ ‬مبدئياً‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬الوطن‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬تعرّضه‭ ‬لتهديد‭ ‬مباشر،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬الاستعداد‭ ‬يبقى‭ ‬مشروطاً،‭ ‬ومحدوداً‭ ‬في‭ ‬الزمن‭ ‬والوظيفة،‭ ‬ولا‭ ‬يُعبّر‭ ‬بالضرورة‭ ‬عن‭ ‬قبول‭ ‬غير‭ ‬مشروط‭ ‬بمنطق‭ ‬الحرب‭ ‬أو‭ ‬بعسكرة‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية‭.‬

كما‭ ‬تكشف‭ ‬الدراسات،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬عن‭ ‬تباينات‭ ‬داخل‭ ‬الجيل‭ ‬الواحد‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬بالمؤسسة‭ ‬العسكرية،‭ ‬تتأثر‭ ‬بعوامل‭ ‬متعددة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬النوع‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬والخلفية‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬ومستوى‭ ‬التعليم،‭ ‬والتموضع‭ ‬الإيديولوجي‭. ‬فالشباب‭ ‬الذكور‭ ‬يميلون‭ ‬عموماً‭ ‬إلى‭ ‬إبداء‭ ‬اهتمام‭ ‬أكبر‭ ‬بالشأن‭ ‬العسكري‭ ‬مقارنة‭ ‬بالإناث،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الفئات‭ ‬ذات‭ ‬التموقع‭ ‬السياسي‭ ‬اليميني‭ ‬تُظهر‭ ‬مستويات‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬القبول‭ ‬بالمنظور‭ ‬العسكري‭ ‬للأمن‭ ‬والدفاع،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يتسم‭ ‬موقف‭ ‬الشباب‭ ‬ذوي‭ ‬الميول‭ ‬اليسارية‭ ‬بمزيد‭ ‬من‭ ‬التحفّظ،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬التحفّظ‭ ‬لا‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬حدود‭ ‬العداء‭ ‬الصريح‭ ‬للمؤسسة‭ ‬العسكرية‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬أجيال‭ ‬سابقة‭. ‬ويشير‭ ‬هذا‭ ‬المعطى‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬النزعة‭ ‬المعادية‭ ‬للعسكرة‭ ‬داخل‭ ‬الأوساط‭ ‬الشبابية،‭ ‬مقابل‭ ‬صعود‭ ‬مقاربة‭ ‬أكثر‭ ‬براغماتية‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬الجيش‭ ‬أداة‭ ‬ضرورية،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬غير‭ ‬مثالية،‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬يتّسم‭ ‬بتكاثر‭ ‬التهديدات‭.‬

وعليه،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الشباب‭ ‬والمؤسسة‭ ‬العسكرية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تُختزل‭ ‬في‭ ‬ثنائية‭ ‬القبول‭ ‬أو‭ ‬الرفض،‭ ‬بل‭ ‬باتت‭ ‬علاقة‭ ‬مركّبة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالدور،‭ ‬والثقة‭ ‬بالوظيفة،‭ ‬مقابل‭ ‬إعادة‭ ‬تفاوض‭ ‬مستمرة‭ ‬حول‭ ‬حدود‭ ‬الالتزام،‭ ‬وشروط‭ ‬الشرعية،‭ ‬ومعنى‭ ‬التضحية‭. ‬وهي‭ ‬علاقة‭ ‬تعكس،‭ ‬في‭ ‬العمق،‭ ‬تحوّلاً‭ ‬أوسع‭ ‬في‭ ‬نموذج‭ ‬الرابط‭ ‬بين‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬والمؤسسة‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬أوروبا،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الشرعية‭ ‬تُستمد‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬الذاكرة‭ ‬البطولية‭ ‬للحروب‭ ‬الماضية،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬المجتمع‭ ‬في‭ ‬الحاضر،‭ ‬وإدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬المستقبلية‭ ‬ضمن‭ ‬أفق‭ ‬ديمقراطي‭ ‬يحاول‭ ‬التوفيق‭ ‬بين‭ ‬متطلبات‭ ‬الأمن‭ ‬وحساسيات‭ ‬الجيل‭ ‬الجديد‭ ‬تجاه‭ ‬السلطة‭ ‬والعنف‭ ‬المنظَّم‭.‬

تعددية‭ ‬في‭ ‬أنماط‭ ‬تمثّل‭ ‬الشباب‭ ‬الأوروبي‭ ‬الغربي‭ ‬للحرب

تكشف‭ ‬الدراسات‭ ‬عن‭ ‬تعددية‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬أنماط‭ ‬تمثّل‭ ‬الشباب‭ ‬للحرب،‭ ‬بما‭ ‬ينفي‭ ‬أي‭ ‬تصور‭ ‬اختزالي‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬الجيل‭ ‬الشاب‭ ‬بوصفه‭ ‬كتلة‭ ‬متجانسة‭ ‬في‭ ‬مواقفه‭ ‬أو‭ ‬استعداداته‭. ‬فبدل‭ ‬الانقسام‭ ‬الثنائي‭ ‬التقليدي‭ ‬بين‭ ‬مؤيدين‭ ‬ورافضين،‭ ‬تُظهر‭ ‬المعطيات‭ ‬وجود‭ ‬طيف‭ ‬من‭ ‬المواقف‭ ‬المتدرجة،‭ ‬تتشكّل‭ ‬عند‭ ‬تقاطع‭ ‬الذاكرة‭ ‬التاريخية،‭ ‬والتحولات‭ ‬القيمية،‭ ‬والتجارب‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬والتموضع‭ ‬السياسي‭.‬

يُمكن‭ ‬تمييز‭ ‬نمط‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬يمكن‭ ‬وصفه‭ ‬بالوطنيين‭ ‬القلقين،‭ ‬وهم‭ ‬الذين‭ ‬ينظرون‭ ‬إلى‭ ‬الحرب‭ ‬بوصفها‭ ‬تهديداً‭ ‬واقعياً‭ ‬للأمن‭ ‬والسيادة،‭ ‬ويبدون‭ ‬استعداداً‭ ‬مبدئياً‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬تعرّضها‭ ‬لخطر‭ ‬مباشر‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الاستعداد‭ ‬لا‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬حماسة‭ ‬أيديولوجية‭ ‬أو‭ ‬تمجيد‭ ‬للحرب،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬إدراك‭ ‬واقعي‭ ‬لهشاشة‭ ‬الاستقرار‭ ‬الدولي،‭ ‬وعلى‭ ‬تصور‭ ‬دفاعي‭ ‬مشروط‭ ‬يضع‭ ‬حماية‭ ‬الجماعة‭ ‬فوق‭ ‬الاعتبارات‭ ‬الفردية‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬استثنائية‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬يبرز‭ ‬نمط‭ ‬ثانٍ‭ ‬يمكن‭ ‬توصيفه‭ ‬بالإنسانيين‭ ‬الحذرين،‭ ‬وهم‭ ‬الشباب‭ ‬الذين‭ ‬يرفضون‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬المبدأ،‭ ‬وينظرون‭ ‬إليها‭ ‬أساساً‭ ‬بوصفها‭ ‬مأساة‭ ‬إنسانية،‭ ‬لا‭ ‬أداة‭ ‬سياسية‭ ‬مشروعة‭. ‬ويميل‭ ‬أفراد‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬إلى‭ ‬تفضيل‭ ‬أشكال‭ ‬بديلة‭ ‬من‭ ‬الالتزام،‭ ‬مثل‭ ‬العمل‭ ‬الإنساني،‭ ‬أو‭ ‬الدعم‭ ‬المدني،‭ ‬أو‭ ‬المساهمة‭ ‬في‭ ‬جهود‭ ‬الإغاثة،‭ ‬معتبرين‭ ‬أن‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬القيم‭ ‬لا‭ ‬يمرّ‭ ‬بالضرورة‭ ‬عبر‭ ‬العنف‭ ‬المسلّح‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬يتّسم‭ ‬موقفهم‭ ‬بالعداء‭ ‬المطلق‭ ‬للمؤسسة‭ ‬العسكرية،‭ ‬بل‭ ‬بالحذر‭ ‬الأخلاقي‭ ‬تجاه‭ ‬استخدام‭ ‬القوة

إلى‭ ‬جانب‭ ‬ذلك،‭ ‬تظهر‭ ‬فئة‭ ‬ثالثة‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬يمكن‭ ‬وصفها‭ ‬باللامبالين‭ ‬أو‭ ‬المنفصلين،‭ ‬وهم‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬تحتل‭ ‬الحرب‭ ‬موقعاً‭ ‬مركزياً‭ ‬في‭ ‬اهتماماتهم‭ ‬أو‭ ‬تمثّلاتهم‭. ‬تنشغل‭ ‬هذه‭ ‬الفئة‭ ‬بقضايا‭ ‬أخرى‭ ‬تُعدّ‭ ‬أكثر‭ ‬إلحاحاً‭ ‬في‭ ‬حياتهم‭ ‬اليومية،‭ ‬مثل‭ ‬العمل،‭ ‬والبيئة،‭ ‬والعدالة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وتتعامل‭ ‬مع‭ ‬الحرب‭ ‬بوصفها‭ ‬شأناً‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬تجربتهم‭ ‬المباشرة،‭ ‬أو‭ ‬مسألة‭ ‬تخصّ‭ ‬النخب‭ ‬السياسية‭ ‬والعسكرية‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تخصّهم‭ ‬كأفراد‭.‬

ولا‭ ‬تعبّر‭ ‬هذه‭ ‬الأنماط‭ ‬عن‭ ‬مواقف‭ ‬ثابتة‭ ‬أو‭ ‬مغلقة،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬مواقع‭ ‬ذهنية‭ ‬وقيمية‭ ‬قابلة‭ ‬للتحوّل‭ ‬تبعًا‭ ‬للسياق،‭ ‬وطبيعة‭ ‬التهديد،‭ ‬وشروط‭ ‬الصراع‭. ‬وهي‭ ‬تعكس‭ ‬في‭ ‬مجموعها‭ ‬تحوّلاً‭ ‬أعمق‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬الشباب‭ ‬بالحرب،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬المواقف‭ ‬تُبنى‭ ‬على‭ ‬سرديات‭ ‬كبرى‭ ‬جاهزة،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬توازن‭ ‬دقيق‭ ‬بين‭ ‬الاعتبارات‭ ‬الأخلاقية،‭ ‬والواقعية‭ ‬السياسية،‭ ‬ومركزية‭ ‬الفرد‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬القيم‭ ‬المعاصرة‭.‬

دروس‭ ‬استراتيجية‭ ‬مستفادة

يمكن‭ ‬استخلاص‭ ‬حزمة‭ ‬من‭ ‬الدروس‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬والعملية،‭ ‬بوصفها‭ ‬مرآةً‭ ‬تحذيرية‭ ‬وفرصةً‭ ‬استباقية‭ ‬في‭ ‬آنٍ‭ ‬واحد،‭ ‬تُسهم‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬الاستقرار،‭ ‬وترسيخ‭ ‬الالتزام‭ ‬الوطني،‭ ‬وبناء‭ ‬علاقة‭ ‬صحية‭ ‬ومستدامة‭ ‬بين‭ ‬الشباب‭ ‬والدولة‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬التحوّلات‭ ‬الكبرى‭.‬

1‭. ‬الوعي‭ ‬دون‭ ‬تعبئة‭ ‬لا‭ ‬يكفي،‭ ‬أهمية‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬المعنى‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬الخوف‭:‬‭ ‬تُظهر‭ ‬التجربة‭ ‬الأوروبية‭ ‬أن‭ ‬ارتفاع‭ ‬الوعي‭ ‬بالتهديدات‭ ‬لا‭ ‬يقود‭ ‬تلقائياً‭ ‬إلى‭ ‬استعداد‭ ‬جماعي‭ ‬فعّال‭. ‬والدرس‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬الأمن‭ ‬لا‭ ‬يُبنى‭ ‬فقط‭ ‬عبر‭ ‬إدارة‭ ‬المخاطر،‭ ‬بل‭ ‬عبر‭ ‬صناعة‭ ‬المعنى‭: ‬لماذا‭ ‬الدفاع؟‭ ‬عن‭ ‬ماذا؟‭ ‬وبأي‭ ‬حدود؟‭ ‬إن‭ ‬ترسيخ‭ ‬سردية‭ ‬وطنية‭ ‬إيجابية‭ ‬حول‭ ‬الأمن‭ ‬والدفاع،‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالسيادة‭ ‬والتنمية‭ ‬والإنسان،‭ ‬يُحصّن‭ ‬الشباب‭ ‬من‭ ‬القلق‭ ‬غير‭ ‬المنتج،‭ ‬ويحوّله‭ ‬إلى‭ ‬التزام‭ ‬واعٍ‭ ‬ومسؤول‭.‬

2‭. ‬الشرعية‭ ‬الحديثة‭ ‬للمؤسسة‭ ‬العسكرية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الوظيفة‭ ‬الشاملة‭: ‬ارتبط‭ ‬نجاح‭ ‬المؤسسة‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬المخيال‭ ‬الشبابي‭ ‬الأوروبي‭ ‬باتساع‭ ‬أدوارها‭ ‬لتشمل‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمات،‭ ‬وحماية‭ ‬المجتمع،‭ ‬والاستجابة‭ ‬للكوارث،‭ ‬والمساندة‭ ‬الإنسانية‭. ‬وتشير‭ ‬الدروس‭ ‬المستفادة‭ ‬إلى‭ ‬أهمية‭ ‬تعميق‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬عبر‭ ‬إبراز‭ ‬الجيش‭ ‬بوصفه‭ ‬فاعلاً‭ ‬وطنياً‭ ‬شاملاً،‭ ‬دفاعياً‭ ‬وأمنياً‭ ‬وإنسانياً،‭ ‬بما‭ ‬يعزّز‭ ‬الثقة‭ ‬المجتمعية‭ ‬دون‭ ‬الانزلاق‭ ‬إلى‭ ‬عسكرة‭ ‬المجال‭ ‬العام‭.‬

3‭. ‬التعليم‭ ‬والذاكرة،‭ ‬التحصين‭ ‬عبر‭ ‬الشمول‭ ‬لا‭ ‬الانتقاء‭: ‬تُبيّن‭ ‬الحالة‭ ‬الأوروبية‭ ‬أن‭ ‬الانتقائية‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬التاريخية‭ ‬تُنتج‭ ‬وعياً‭ ‬هشاً‭ ‬وقابلاً‭ ‬للاهتزاز‭. ‬ويكمن‭ ‬الدرس‭ ‬في‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬تعليم‭ ‬تاريخي‭ ‬وأخلاقي‭ ‬شامل،‭ ‬يوازن‭ ‬بين‭ ‬الإنجاز‭ ‬والتكلفة،‭ ‬ويُنمّي‭ ‬الحس‭ ‬النقدي‭ ‬دون‭ ‬تقويض‭ ‬الانتماء‭ ‬الوطني‭. ‬فذلك‭ ‬يُسهم‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬مواطن‭ ‬واثق،‭ ‬لا‭ ‬متردد‭ ‬ولا‭ ‬منسحب‭ ‬من‭ ‬المجال‭ ‬العام‭.‬

4‭. ‬الثقافة‭ ‬الرقمية،‭ ‬إمّا‭ ‬مُربِكة‭ ‬أو‭ ‬مُعبِّئة،‭ ‬وفقاً‭ ‬لأسلوب‭ ‬الإدارة‭: ‬قد‭ ‬تُفضي‭ ‬الوسائط‭ ‬الرقمية‭ ‬السريعة‭ ‬إلى‭ ‬إنتاج‭ ‬تصوّرات‭ ‬خاطئة‭ ‬أو‭ ‬مُبسَّطة‭ ‬عن‭ ‬الجيوش‭ ‬ووظائفها‭ ‬وأدوارها‭ ‬الفعلية،‭ ‬بما‭ ‬يُسهم‭ ‬في‭ ‬تشويه‭ ‬الفهم‭ ‬العام‭ ‬لطبيعة‭ ‬العمل‭ ‬العسكري‭ ‬وتعقيداته‭. ‬ويكمن‭ ‬الدرس‭ ‬في‭ ‬ضرورة‭ ‬إنتاج‭ ‬محتوى‭ ‬معرفي‭ ‬جذّاب‭ ‬ومتوازن،‭ ‬يُبرز‭ ‬أدوار‭ ‬الخدمة‭ ‬والحماية‭ ‬والإنقاذ،‭ ‬ويقدّم‭ ‬نماذج‭ ‬قدوة‭ ‬واقعية‭ ‬تُجسّد‭ ‬القيم‭ ‬المهنية‭ ‬والإنسانية‭ ‬للمؤسسة‭ ‬العسكرية،‭ ‬بما‭ ‬يحوّل‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬من‭ ‬مصدر‭ ‬للتشويش‭ ‬والانفعال‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬وعي‭ ‬وبناء‭ ‬وتعبئة‭ ‬رشيدة‭. ‬

5‭. ‬التعدّد‭ ‬داخل‭ ‬الجيل‭ ‬الواحد‭ ‬حقيقة،‭ ‬والسياسة‭ ‬الذكية‭ ‬تُخاطبه‭: ‬يؤكد‭ ‬تنوّع‭ ‬أنماط‭ ‬الشباب‭ (‬الواقعي‭ ‬الدفاعي،‭ ‬الإنساني،‭ ‬غير‭ ‬المكترث‭) ‬أن‭ ‬الخطاب‭ ‬الأحادي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬كافياً‭. ‬وتتطلّب‭ ‬الاستجابة‭ ‬الفعّالة‭ ‬سياسات‭ ‬تفاضلية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬مخاطبة‭ ‬هذا‭ ‬التعدّد،‭ ‬وتصميم‭ ‬مسارات‭ ‬انتماء‭ ‬متعددة،‭ ‬تحت‭ ‬مظلة‭ ‬وطنية‭ ‬جامعة‭ ‬تستوعب‭ ‬التنوع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والثقافي‭.‬

6‭. ‬الالتزام‭ ‬الشبابي‭ ‬معيار‭ ‬قوة‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬اللايقين‭: ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬قوة‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬اللايقين‭ ‬تُقاس‭ ‬فقط‭ ‬بالجاهزية‭ ‬الصلبة،‭ ‬بل‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬التزام‭ ‬شبابي‭ ‬واعٍ،‭ ‬أخلاقي،‭ ‬ومتعدد‭ ‬الأشكال‭. ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬استباق‭ ‬التحوّلات‭ ‬التي‭ ‬كشفتها‭ ‬الحالة‭ ‬الأوروبية،‭ ‬يمكن‭ ‬للدول‭ ‬الساعية‭ ‬إلى‭ ‬الريادة‭ ‬أن‭ ‬تُرسّخ‭ ‬نموذجاً‭ ‬متوازناً‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬الأمن،‭ ‬والمواطنة،‭ ‬والإنسان‭.‬

7‭. ‬الدفاع‭ ‬بوصفه‭ ‬معنى‭ ‬لا‭ ‬تهديداً،‭ ‬نحو‭ ‬نموذج‭ ‬جديد‭ ‬للالتزام‭ ‬الشباب‭: ‬تُظهر‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬أن‭ ‬الوعي‭ ‬بالتهديدات‭ ‬لا‭ ‬يتحوّل‭ ‬تلقائياً‭ ‬إلى‭ ‬استعداد‭ ‬جماعي‭ ‬فعّال‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يُقرَن‭ ‬ببناء‭ ‬معنى‭ ‬واضح‭ ‬ومقنع‭ ‬للأمن‭ ‬والدفاع،‭ ‬يُجيب‭ ‬عن‭ ‬أسئلة‭ ‬الغاية‭ ‬والحدود‭ ‬والمشروعية‭. ‬كما‭ ‬يتبيّن‭ ‬أن‭ ‬الشرعية‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬اللايقين‭ ‬تُستمدّ‭ ‬أساساً‭ ‬من‭ ‬الوظيفة‭ ‬الشاملة‭ ‬للمؤسسة‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬المجتمع‭ ‬وإدارة‭ ‬الأزمات،‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬القوة‭ ‬الصلبة‭ ‬وحده‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬تمثّل‭ ‬ميادين‭ ‬التعليم،‭ ‬والذاكرة‭ ‬الجماعية،‭ ‬والثقافة‭ ‬الرقمية‭ ‬ساحات‭ ‬حاسمة‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬علاقة‭ ‬الشباب‭ ‬بالجيوش‭ ‬وبالحرب؛‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬إدارتها‭ ‬الانتقائية‭ ‬أو‭ ‬الانفعالية‭ ‬تُنتج‭ ‬وعياً‭ ‬هشاً‭ ‬وقابلاً‭ ‬للاهتزاز،‭ ‬بينما‭ ‬يتيح‭ ‬توظيفها‭ ‬الواعي‭ ‬بناء‭ ‬التزام‭ ‬شبابي‭ ‬رشيد،‭ ‬ومستقر،‭ ‬وقادر‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬تحوّلات‭ ‬البيئة‭ ‬الأمنية‭ ‬المعاصرة‭.‬

8‭. ‬الدفاع‭ ‬الشامل،‭ ‬تكامل‭ ‬الجيش‭ ‬والمجتمع‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬التهديدات‭ ‬المركّبة‭: ‬الدفاع‭ ‬أصبح‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭ ‬استجابة‭ ‬مركزية‭ ‬تقودها‭ ‬الدولة‭ ‬بمساندة‭ ‬المجتمع،‭ ‬فلقد‭ ‬أصبح‭ ‬أيضاً‭ ‬ممارسة‭ ‬مجتمعية‭ ‬موزّعة،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الجاهزية‭ ‬الفردية،‭ ‬والمسؤولية‭ ‬المحلية،‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬تعطّل‭ ‬البُنى‭ ‬التقليدية‭ ‬للدعم‭ ‬والإمداد‭. ‬ولا‭ ‬يُنظر‭ ‬إلى‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الذات،‭ ‬ضمن‭ ‬هذا‭ ‬النموذج،‭ ‬باعتباره‭ ‬بديلاً‭ ‬عن‭ ‬الدولة‭ ‬أو‭ ‬تقويضاً‭ ‬لدورها،‭ ‬بل‭ ‬بوصفه‭ ‬مكمّلاً‭ ‬لوظيفتها‭ ‬السيادية،‭ ‬بما‭ ‬يخفّف‭ ‬الضغط‭ ‬عن‭ ‬المؤسسات‭ ‬المركزية‭ ‬ويعزّز‭ ‬مناعة‭ ‬المجتمع‭ ‬في‭ ‬الأزمات‭ ‬الممتدّة‭. ‬وبهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬يتحوّل‭ ‬الدفاع‭ ‬إلى‭ ‬التزام‭ ‬يومي‭ ‬واعٍ،‭ ‬متجذّر‭ ‬في‭ ‬الثقة‭ ‬المتبادلة‭ ‬بين‭ ‬الدولة‭ ‬والمواطنين،‭ ‬ويقدّم‭ ‬إجابة‭ ‬معاصرة‭ ‬عن‭ ‬سؤال‭ ‬الصمود‭ ‬الجماعي‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬التهديدات‭ ‬المركّبة‭ ‬والمتداخلة‭.‬

خاتمة‭ ‬

في‭ ‬المحصّلة،‭ ‬تُبيّن‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬أن‭ ‬التحوّلات‭ ‬المرصودة‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬الشباب‭ ‬الأوروبي‭ ‬الغربي‭ ‬بالحرب‭ ‬وبالمؤسسة‭ ‬العسكرية‭ ‬تعبّر‭ ‬عن‭ ‬تحوّل‭ ‬بنيوي‭ ‬في‭ ‬أنماط‭ ‬إنتاج‭ ‬الشرعية‭ ‬والالتزام‭ ‬الجماعي‭ ‬داخل‭ ‬المجتمعات‭ ‬المعاصرة‭. ‬فالدفاع‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يُبنى،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬النماذج‭ ‬التعبوية‭ ‬التقليدية،‭ ‬على‭ ‬الذاكرة‭ ‬البطولية‭ ‬أو‭ ‬الامتثال‭ ‬غير‭ ‬المشروط،‭ ‬بل‭ ‬أصبح،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى،‭ ‬قائماً‭ ‬على‭ ‬معادلة‭ ‬مركّبة‭ ‬تتأسّس‭ ‬على‭ ‬المعنى،‭ ‬والوظيفة،‭ ‬والمشروعية‭ ‬الأخلاقية،‭ ‬وتكامل‭ ‬الأدوار‭ ‬بين‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع‭. ‬وبهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬تكشف‭ ‬الحالة‭ ‬الأوروبية‭ ‬عن‭ ‬انتقال‭ ‬واضح‭ ‬من‭ ‬نموذج‭ ‬دفاعي‭ ‬تعبوي‭ ‬إلى‭ ‬نموذج‭ ‬دفاعي‭ ‬تفاعلي،‭ ‬يُعاد‭ ‬فيه‭ ‬تعريف‭ ‬الحرب‭ ‬بوصفها‭ ‬احتمالاً‭ ‬يُدار‭ ‬اجتماعياً‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يُدار‭ ‬عسكرياً،‭ ‬ويُعاد‭ ‬فيه‭ ‬تصور‭ ‬الالتزام‭ ‬بوصفه‭ ‬ممارسة‭ ‬واعية‭ ‬ومتعدّدة‭ ‬الأشكال،‭ ‬لا‭ ‬التزاماً‭ ‬قسرياً‭ ‬أو‭ ‬أحادي‭ ‬البعد‭. ‬إن‭ ‬استيعاب‭ ‬هذا‭ ‬التحوّل‭ ‬لا‭ ‬يكتسي‭ ‬أهمية‭ ‬تحليلية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يقدّم‭ ‬إطاراً‭ ‬مرجعياً‭ ‬لفهم‭ ‬شروط‭ ‬الصمود‭ ‬الجماعي‭ ‬التشاركي‭ ‬بين‭ ‬الدولة‭ ‬ومؤسساتها‭ ‬العسكرية‭ ‬والمجتمع،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬فئة‭ ‬الشباب،‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬تتداخل‭ ‬فيه‭ ‬التهديدات‭ ‬العسكرية،‭ ‬والسيبرانية،‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬والرمزية،‭ ‬بما‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬بناء‭ ‬المعنى‭ ‬وترسيخ‭ ‬الشرعية‭ ‬شرطاً‭ ‬لا‭ ‬غنى‭ ‬عنه‭ ‬لأي‭ ‬سياسة‭ ‬دفاعية‭ ‬مستدامة‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭.‬

الأستاذ‭ ‬الدكتور‭ ‬وائل‭ ‬صالح‭ ‬
مستشار‭ ‬بمركز‭ ‬تريندز‭ ‬للبحوث‭ ‬والاستشارات‭

Twitter
WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض