قامت الولايات المتحدة، منذ أواخر 2025، بفرض حصار بحري على فنزويلا، وذلك من خلال منع السفن من الذهاب إلى سواحل فنزويلا، أو مغادرتها، فضلاً عن تعقب ناقلات النفط الفنزويلية في محاولة للضغط على الحكومة الفنزويلية لتغيير سياستها، خاصة بعدما أقدمت واشنطن على اعتقال الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو في 3 يناير 2026. وعلى الجانب الآخر، يحذر المحللون الاستراتيجيون الأمريكيون من أن الصين تخطط لاستعادة تايوان، ليس من خلال احتلالها، ولكن من خلال فرض حصار بحري عليها.

في المقابل، تلوح واشنطن باستخدام الحصار البحري لمنع الصين من الإقدام على مثل هذه الخطوة. وسوف يسعى التحليل الحالي إلى استعراض مدى فاعلية هذا الأسلوب، والذي تعود جذوره إلى الأزمة الكوبية عام 1962.
الحصار البحري .. الحسابات والتكلفة
يُعرَّف الحصار على أنه: «عملية تقوم بها دولة محاربة بهدف منع سفن وطائرات جميع الدول، سواء كانت معادية أم محايدة، من دخول أو مغادرة موانئ أو مطارات أو مناطق ساحلية محددة تابعة لدولة معادية، أو محتلة من قبلها، أو خاضعة لسيطرتها». ويتمثّل الهدف من الحصار البحري في تحقيق الغاية العامة لاستخدام القوة المسلحة، أي حمل العدو على القبول بشروطٍ تصبّ في مصلحتك، وذلك من خلال تقويض المجهود الحربي للعدو عبر اعتراض حركة الملاحة البحرية الواردة والصادرة. وكان الحصار العسكري في الأزمنة السابقة يستهدف، في المقام الأول، اقتصاد العدو، غير إنها اليوم غالباً ما تُعد جزءاً أساسياً من العمليات العسكرية الموجَّهة ضد الأصول والقدرات العسكرية للعدو.
وتقليدياً، كان ينظر إلى الحصار البحري (وأحياناً البري) على أنه بديل للحرب، وذلك من خلال تقليل السلع المدنية والعسكرية، المتاحة للخصم لدعم مجهوده العسكري. وكان الحصار مصمماً في البداية بهدف تجويع العدو، أو إضعاف السكان المدنيين والقوات العسكرية من خلال تقليل واردات الإمدادات الغذائية؛ ومع ذلك، فقد استهدفت الحصار البحري أيضاً منع استيراد الذخائر، وغيرها من مستلزمات الحرب، والمواد الخام الحيوية، ولا سيما النفط والمعادن. وإضافةً إلى تقليص الواردات، كثيراً ما كان يتم توظيف الحصار كذلك لوقف صادرات الدولة. وفي هذه الحالة الأخيرة، يكون الهدف عادةً تقليل قدرة العدو على الحصول على الموارد المالية اللازمة لدفع ثمن الواردات. وعلى مدار قرون، كان الحصار البري والبحري سياسة أحادية يتم انتهاجها لتحقيق أهداف عسكرية أو تجارية.
وغالباً ما تمثّل الدول المحايدة مصادر بديلة محتملة للإمدادات؛ ونظراً لإمكانية توجيه البضائع من أي مكان عبر تلك الدول المحايدة، فإن الحصار الذي لا يقيّد التجارة المحايدة مع العدو قد يفقد عوامل فعاليته. ومع ذلك، فالدول المحايدة ليست أطرافاً محاربة؛ وبصفتها غير منخرطة في النزاع، فهي غالباً ما ترى أن أنشطتها التجارية لا ينبغي أن تُقيَّد. لذلك، فإن أي محاولة للحدّ من صادراتها ووارداتها قد تضعها في صراع مباشر مع الدولة الفارضة للحصار. ومع ذلك، فإنه لكي يكون الحصار فعّالاً، يجب أن يمتد ليشمل الدول المحايدة المتاخمة للعدو، أو المرتبطة به براً.
وتتمثل الفوائد المتوقعة من حصار ناجح في إلحاق خسارة بالقوة العسكرية للعدو بما يعزز احتمالات النصر للدولة التي تفرض الحصار. لكن هذه الفوائد ليست أرباحاً صافية؛ إذ توجد أيضاً تكاليف مرتبطة بأي قرار بفرض حصار بحري. تشمل هذه التكاليف في التالي:
1. النفقات المباشرة وغير المباشرة: تتمثل النفقات المباشرة في تجهيز السفن والكوادر البشرية اللازمة لتنفيذ الحصار، وتكاليف الفرصة البديلة الناتجة عن تحويل الموارد من استخدامات أخرى، والخسائر المحتملة في الرجال والسفن وغيرهما، والناتجة عن التدمير بفعل عمليات العدو.
لذا، يجب على المخطِّط دائماً تقييم ردود الفعل المحتملة للعدو، إذ يمكن لتلك الردود أن تؤثر بشكل كبير في تكاليف الحصار وفعاليته. وستعتمد هذه الردود جزئياً على التكنولوجيا المتاحة للعدو من سفن، وطائرات وغيرها من المعدات العسكرية، وعلى قوته الاقتصادية، ومستوى تنظيمه العسكري. كما سيُضطر المخطِّط إلى تقدير مدى استعداد العدو لاستخدام القوافل البحرية العسكرية، أي مجموعة السفن التجارية التي تُبحر معاً تحت حماية عدد من السفن العسكرية التي تُكلَّف بتحييد أي هجمات قد تشنها القوات التي تفرض الحصار. وبطبيعة الحال، لا يمكن استخدام هذا الأسلوب ما لم تكن لدى الدولة المعرضة للحصار قوة بحرية كافية لتنفيذه.
وارتباطاً بما سبق، فإن أي مخطّط عسكري يسعى إلى تصميم «حصار بحري أمثل» يجب أن يأخذ في الاعتبار عوامل عدة، منها الجغرافيا (طول الساحل المعني)، والتكنولوجيا المتاحة (السفن، الطائرات، المعدات)، ومستوى التنظيم العسكري، والقوة الاقتصادية.
2. حسابات الأطراف الثالثة: يجب أن يتم الأخذ في الاعتبار كذلك التكاليف المحتملة التي قد تنشأ إذا دَفع الحصارُ دولةً محايدة إلى دخول الحرب إلى جانب العدو، خاصة إذا ما تضررت نتيجة للحصار الاقتصادي المفروض. ومع ذلك، فإن وجود دول أخرى تُصدِّر نفس المواد الخام، أو السلع التي تنتجها الدولة المحاصرة يساهم في خفض تكاليف الحصار البحري، وكذلك الأضرار للدول الثالثة، ومن ثم قد يثبطها عن المشاركة في الدفاع عن الدولة المحاصرة.
ملاحظات على الحصار البحري
بمراجعة أهم حالات الحصار البحري في القرنين التاسع عشر والعشرين، تظهر عدة عوامل بوضوح، والتي يمكن تفصيلها على النحو التالي:
1. الحصار البحري والبري: تقليدياً كان الحصار البحري غالباً ما يُنفَّذ من قِبل قوى بحرية ضد قوى برّية. وأشهر الأمثلة على ذلك محاولات بريطانيا حصار ألمانيا في الحربين العالميتين الأولى والثانية، غير أن هناك حالات حاولت فيها دولة قارية قطع دولة جزيرية عن التجارة الدولية، كما فعل نابليون مع تجارة بريطانيا مع بقية أوروبا بين عامي 1803 و1815، أو كما حاولت الصين فعله مع تايوان عام 1996.
2. تراجع فاعلية الحصار مع الزمن: يمكن أن يكون الحصار البحري عملية طويلة الأمد، خصوصاً إذا كانت الدولة المحاصَرة – وينطبق ذلك بشكل خاص على القوى البرّية – قادرة على التخلي عن خطوط مواصلاتها البحرية وفتح خطوط مواصلات برّية جديدة لتعويض أي نقص في تجارتها البحرية. لذلك، فإنه كلما طال الوقت المتاح للقوة البرّية لإنشاء طرق جديدة للتجارة والاتصال، قلّت فعالية الحصار. وبالتالي، فإن السرعة تعد عاملاً حاسماً في هذا الإطار.
3. أهمية التطور التكنولوجي: لعبت التكنولوجيا دوراً مهماً في الحصار البحري، بدءاً من الانتقال من السفن الخشبية إلى السفن ذات الهياكل النحاسية في أوائل القرن التاسع عشر، ثم الانتقال من الاعتماد على طاقة الفحم إلى النفط في أوائل القرن العشرين، وصولاً إلى إدخال القوة الجوية والغواصات لدعم السفن في إحكام الحصار. ولعلّه لا توجد ساحة عسكرية أخرى كان للتطور التكنولوجي فيها تأثير مباشر وواضح على التكتيكات البحرية كما هو الحال في الحصار البحري. ومن الأمثلة التاريخية على ذلك، توافر إمدادات الفحم الموثوقة للبحرية الأمريكية خلال الحرب الإسبانية – الأمريكية، كما منحت السفن الحديثة عالية التقنية في تسعينات القرن الماضي قوات التحالف في العراق القدرة اللازمة لوقف تهريب النفط.
وعلى الجانب الآخر، فإنه مع القرن العشرين، واجهت القوى الفارضة للحصار البحري أحد التحديات الكبرى، وهي صعوبة الحفاظ على حصارٍ محكم وقريب من سواحل العدو بسبب التطور التكنولوجي كذلك. فقد أدّت الزوارق الطوربيدية، والألغام، والمدفعية الساحلية، ومجموعة من التهديدات الأخرى إلى جعل الإبقاء على طوق بحري حول موانئ العدو أمراً بالغ الخطورة، خاصة إذا كانت تلك الدولة تمتلك ساحلاً بحرياً كبيراً نسبياً.
الحصار البحري بين الماضي والحاضر
يلاحظ أنه في الآونة الأخيرة تصاعد توظيف الحصار البحري في التفاعلات الدولية، خاصة تلك التي يكون أحد طرفي الصراع، أو كلاهما دولة من الدول الكبرى. تتمثل أبرز الأمثلة على ذلك الحصار الأمريكي للساحل الفنزويلي. وبالإضافة إلى ما سبق، تطرح بعض الكتابات تصوراً بأن الصين قد تستخدم أسلوب الحصار البحري ضد تايوان، وذلك كاستراتيجية إكراهية بديلة عن الغزو الكامل. وفي المقابل، تطرح بعض الأدبيات الأمريكية فكرة تطبيق الجيش الأمريكي للحصار البحري ضد الصين في أي صراع مستقبلي. وسوف يتم تناول كل حالة من هذه الحالات بقدر من التفصيل لتقييم مدى فاعليتها. غير أنه قبل الشروع في تفصيل هذه الحالات، فإنه سوف يتم أولاً دراسة حالة الحصار البحري الذي فرضته الولايات المتحدة حول كوبا إبان أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962.
1. الحصار الأمريكي لكوبا: تم إبلاغ الرئيس الأمريكي، جون كينيدي، في 16 أكتوبر 1962، بأن طائرة تجسس أمريكية التقطت صوراً لصواريخ نووية سوفييتية على جزيرة كوبا. وبعد عدة أيام من المداولات، خرج كينيدي في 22 أكتوبر على التلفزيون الوطني ليعلن اكتشاف الصواريخ وفرض حصار، بدءاً من يوم 24 أكتوبر، وهو ما أشار إليه تلطيفاً باسم «الحجر الصحي»، وذلك لتجنب الإعلان الرسمي عن الحرب، بالإضافة إلى تجنب عقد مقارنة بين التحرك الأمريكي وحصار الاتحاد السوفييتي لبرلين. وفي 26 أكتوبر، قدّم خروتشوف، في رسالة شخصية إلى كينيدي، عرضاً بسحب صواريخه مقابل تعهّد أمريكي بعدم غزو الجزيرة. وفي صباح اليوم التالي، قدّم خروتشوف عرضاً ثانياً، هذه المرة علنياً، يربط فيه إزالة الصواريخ الروسية بإزالة صواريخ حلف الناتو، الخاضعة للسيطرة الأمريكية، من تركيا.
وبعد ساعات، ردّ كينيدي بأن الولايات المتحدة ستتعهد بعدم غزو كوبا مقابل إزالة الصواريخ السوفييتية، وأنها ستدخل في محادثات حول قضايا نزع السلاح الأخرى في وقت لاحق. غير أن كينيدي، عبر قناة خلفية، قدّم تنازلاً جزئياً بشأن الصواريخ التركية، متعهداً بسحبها خلال بضعة أشهر من انتهاء الأزمة سلمياً، بشرط أن يبقى هذا الجزء من الاتفاق سرّياً. وفي صباح اليوم التالي، قبل خروتشوف العرض.
وعلى الرغم من أنه تم علاج الأزمة سلمياً، فإن المعلومات اللاحقة المتوفرة عنها كشفت عن وجود خطأ فادح في الحسابات. وتتمثل أبرز الأخطاء في سوء تقدير حجم القوات الروسية في كوبا بأقل من حجمها الحقيقي بحوالي ثماني مرات. كما لم تكتشف الولايات المتحدة أن الاتحاد السوفييتي قام بنشر صواريخ نووية تكتيكية في كوبا، وأنها في حالة جاهزية عملياتية.
وبالرجوع إلى عملية صنع القرار الأمريكي حول كوبا، يلاحظ أنه كان هناك خياران مطروحان أمام الرئيس كينيدي، وهما القصف الجوي للصواريخ السوفييتية، أو فرض الحصار، وذهبت المناقشات إلى أنه في أفضل التقديرات، فإن الولايات المتحدة ستكون قادرة على تدمير 90 % من الصواريخ المفترض وجودها في كوبا. وكانت التقديرات الأمريكية وقتها تذهب إلى أن هناك أربع وعشرون منصّة إطلاق لصواريخ باليستية متوسطة المدى (بمدى 1,020 ميلاً بحرياً)، واثنتا عشرة منصّة إطلاق لصواريخ باليستية متوسطة – بعيدة المدى (بمدى 2,200 ميل بحري)، قيد الإنشاء. وكانت أربعة مواقع لصواريخ باليستية متوسطة المدى، تضم ست عشرة منصّة إطلاق، في حالة «جاهزية تشغيلية كاملة». كما أن السوفييت أنشأوا أربعاً وعشرين قاعدة لصواريخ دفاع جوي، وسلّموا أربعين مقاتلة من طراز ميج، وعشرين قاذفة نووية من طراز «آي إل 28» (IL‑28). وذهبت التقديرات الأمريكية كذلك إلى أنه على الرغم من تحديد موقع واحد فقط لتخزين الرؤوس الحربية، فإنه يمكن افتراض أن الأسلحة النووية موجودة الآن في كوبا أو ستكون متاحة قريباً.
ولم تكن واشنطن تدرك كما سبقت الإشارة أن الاتحاد السوفييتي يمتلك بالفعل صواريخ نووية تكتيكية جاهزة للاستخدام من جانب القوات السوفييتية على الأرض. ومع ذلك، فإن إدراك واشنطن باستحالة تدمير كافة الصواريخ الباليستية السوفييتية جعل واشنطن تتراجع عن هذا الخيار، وتفضل فرض الحصار، خوفاً من أن يؤدي الهجوم الأمريكي إلى قيام القوات على الأرض بشن هجمات صاروخية ضد الولايات المتحدة.
كما كانت هناك عوامل أخرى دعمت هذا الخيار، وهي أن الحصار البحري سوف يمنح واشنطن فترة زمنية يؤهل واشنطن للتفاوض خلالها مع موسكو، في حين أن توجيه ضربات عسكرية لم يكن سيسمح بمثل هذه الفترة الزمنية. ومن جهة ثالثة، فإن خيار الحصار سوف يمنع السوفييت من إرسال صواريخ باليستية إضافية للجزيرة. وفي 28 أكتوبر 1962، وافق نيكيتا خروتشوف على سحب الصواريخ السوفييتية من كوبا في مقابل تعهد واشنطن بعدم إسقاط الحكومة الكوبية، فضلاً عن سحب الصواريخ الأمريكية من تركيا، كما سلفت الإشارة.
2. الحصار الأمريكي على فنزويلا: شرعت إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلى زيادة القوة العسكرية الأمريكية في منطقة الكاريبي منذ أغسطس 2025، وهو ما تمثل في إرسال حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد آر. فورد»، ونشر مقاتلات «إف 35» في بورتوريكو، وتوسيع الدوريات البحرية، وحشد نحو 15,000 جندي أمريكي، وإعلان فرض حصار بحري على ناقلات النفط الفنزويلية. كانت إدارة ترامب قدّمت هذا الانتشار في البداية باعتباره حملة لتعزيز مكافحة المخدرات، لكن حجم الحشد يتجاوز بكثير ما يتطلبه اعتراض قوارب التهريب. علاوة على ذلك، فإن مصادرة ناقلات النفط الفنزويلي، وإعلان الحصار الذي تلاها، كشفت عن مسعي واشنطن لتغيير الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو.
وقد تحقق ذلك بالفعل للرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، حينما قامت القوات الخاصة الأمريكية بتنفيذ عملية تمكنت بموجبها من اختطاف الرئيس الفنزويلي، في 3 يناير 2026، وذلك لمحاكمته بتهم واهية تتعلق بتهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة. وليس أدل على قصور هذه الاتهامات، هو توجيه واشنطن اتهام لمادورو قبل اختطافه بأنه متورط في دعم الكارتل المعروف باسم «كارتل دي لوس سولز» (Cartel de los Soles)، والذي وصفته السلطات الأمريكية بأنه منظمة إجرامية هرمية تتكوّن من مسؤولين فنزويليين كبار في المجالات السياسية والعسكرية والاستخباراتية، وأنهم قاموا على مدى عدة عقود بتنسيق عمليات واسعة النطاق لتهريب الكوكايين إلى الولايات المتحدة، غير أنه في 5 يناير 2026، تراجعت وزارة العدل الأمريكية عن مزاعمها بأنها منظمة حقيقية لتجارة المخدرات. وعلى الجانب الآخر، فإنه من المعروف أن فنزويلا لا تنتج مخدر الفنتانيل، كما زعم ترامب.
صحيح أن الولايات المتحدة قامت بإرسال قوات خاصة لاختطاف مادورو، غير أن قيام الولايات المتحدة بممارسة الدبلوماسية القسرية ضد فنزويلا، خاصة فرضها حصاراً على صادراتها من النفط، ساهم في تغيير سلوك أطراف فاعلة في الحكومة الفنزويلية، وسهّل عملية اختطاف مادورو، والتي تمت، على ما يبدو، بدعم داخلي، وفقاً للتسريبات الواردة في الصحف الأمريكية، والتي أشارت إلى أنه كان لدى مجتمع الاستخبارات الأمريكي عملاء على الأرض داخل فنزويلا، وأنه من المرجح أنهم أجروا محادثات مع أشخاص في الجيش والقيادات المدنية – العسكرية في فنزويلا، وغيرهم ممن يمتلكون معلومات حساسة، أو كان سلوكهم ساهم في دعم جوانب معينة من العملية الخاصة الأمريكية لاختطاف مادورو، مثل إيقاف نظام ما، أو سحب وحدة عسكرية من الخدمة، أو الغياب عن موقع معيّن في لحظة حاسمة. كما تشير تقارير صحيفة نيويورك تايمز إلى أن الولايات المتحدة كانت لديها مصدر بشري قريب من مادورو، قادر على تقديم تفاصيل عن حياته اليومية، وصولاً إلى ما كان يتناوله من طعام.
وبالتالي، فإن الحصار البحري ساهم في تحقيق أهداف السياسة الأمريكية من تغيير سلوك الحكومة الفنزويلية، خاصة بعدما تجاوبت ديلسي رودريغيز، نائبة الرئيس الفنزويلي، التي تولت إدارة البلاد بعد اختطاف مادورو، مع الضغوط الأمريكية، وسمحت لواشنطن بإدارة مبيعات النفط الفنزويلي.

3. الحصار الصيني «المحتمل» لجزيرة تايوان: من المسلم به أن قيام دولة بفرض حصار ضد دولة أخرى هو بمثابة إعلان حرب. ولكن في حالة قيام الصين بفرض حصار حول تايوان، فإن هذا الأمر لا يمكن النظر إليه على أنه بمثابة إعلان حرب، ذلك لأن بكين تنظر إلى تايوان باعتبارها إقليماً انفصالياً، وبالتالي، فإنه أي صراع حولها سوف يتم النظر إليه باعتباره مسألة داخلية، وليس تدخلاً عسكرياً أجنبياً، كما أن الولايات المتحدة نفسها لا تعترف بتايوان كدولة مستقلة، وتتبنى مواقف معلنة تؤكد التزامها بسياسة الصين الواحدة، وهو ما يجعل الموقف القانوني لواشنطن ضعيفاً في التدخل لحماية تايوان من وجهة نظر القانون الدولي.
وتتناول الكتابات الصينية حول العقائد العسكرية الحديث عن «حملة الحصار المشتركة» بشكل موسّع، كما أشار جيش التحرير الشعبي الصيني إلى أنه قد ينظر في تنفيذ مثل هذه الحملة إذا قرر التحرك عسكرياً ضد تايوان. ويلاحظ أن مثل هذا الحصار سوف تكون له تداعيات عالمية، إذ إن تداعياته لن تقتصر على الصين وتايوان والولايات المتحدة فحسب؛ بل ستمتد إلى تعطيل التجارة الدولية، ولاسيما وأن عجز تايوان عن إنتاج وتصدير الرقائق الإلكترونية نتيجة للحصار، سيؤثر على كل دول العالم تقريباً.
وتتوقع الكتابات الغربية أن يأخذ الحصار البحري الصيني لتايوان إحدى الأشكال الأربعة التالية، وهي: أولاً، احتجاز السفن، أي أن تقوم القوات الصينية غير العسكرية، مثل خفر السواحل الصيني، وإدارة الأمن البحري، وميليشيا قوات الشعب البحرية بالصعود إلى السفن التجارية المتجهة إلى تايوان، والسيطرة عليها دون إطلاق النار. ثانياً، نشر الصين للغواصات وزراعة الألغام لاعتراض حركة السفن التجارية المتجهة إلى تايوان خارج المياه الإقليمية التايوانية. ثالثاً، توجيه الضربات البحرية المباشرة، إذ تستخدم الصين، في هذه الحالة، القوة العسكرية العلنية ضد السفن التجارية والسفن التي ترافقها خارج المياه الإقليمية لليابان أو تايوان. رابعاً، لايزال هناك خيار الانجرار لحرب أوسع، إذ قد يستخدم جيش التحرير الشعبي القوة العسكرية العلنية ضد تايوان والولايات المتحدة، وربما اليابان كذلك.
وعلى الجانب الآخر، تمتلك بكين من القدرات العسكرية التي تؤهلها لفرض حصار بحري على تايوان، وذلك من خلال استراتيجية «منع الوصول والحرمان من الدخول»، والتي تستهدف بشكل أساسي منع الولايات المتحدة من التدخل لدعم تايوان عسكرياً في مواجهة الصين، أو في فك الحصار البحري الذي قد تفرضه بكين حول تايبيه.
وكشفت الصين مؤخراً عن امتلاكها لعدة منظومات تؤهلها لتنفيذ هذه الاستراتيجية، كما يتضح في كشفها في سبتمبر 2025، أثناء عرضها العسكري احتفالاً بمرور 80 عاماً على الحرب العالمية الثانية، عن عدد من الصواريخ المضادة للسفن. ويأتي من ضمن هذه الصواريخ الصاروخ «واي جيه – 15» (YJ‑15)، والذي يجمع بين السرعات فوق الصوتية والمدى الكبير، إذ تقترب سرعاته من 5 ماخ، مع مدى تقديري يتراوح بين 1,200 و1,800 كيلومتر، الأمر الذي يجعله قادراً على تنفيذ مناورات مراوِغة في المرحلة النهائية الممثلة في إصابة الهدف، وهو ما يجعل اعتراضه أكثر تعقيداً. ويتم إطلاق هذا الصاروخ من القاذفات الاستراتيجية الصينية «إتش – 6». كما كشفت الصين عن الصاروخ الفرط صوتي «واي جيه – 17» (YJ-17)، والذي تتراوح سرعته بين 5 و8 ماخ، كما يمكن إطلاقه من القاذفات الاستراتيجية «إتش 6»، أو من السفن القتالية السطحية الكبيرة مثل المدمّرات من طراز «تايب 005» (Type 055). وبالمثل، فإن الصاروخ «واي جي – 19» (YJ‑19) يمكن أن يحقق سرعات تتراوح بين ماخ 5 وماخ 10، مع مدى يقارب 500 كيلومتر، ويمكن إطلاقه من الغواصات.
وأخيراً، كشفت الصين عن صاروخ «واي جي – 20» (YJ‑20)، والذي تتراوح سرعته بين ماخ 6 وماخ 7 أثناء مرحلة التحليق، مع إمكانية بلوغ سرعات تصل إلى ماخ 9 في المرحلة النهائية، كما يتراوح مداه بين 1,500 و2,000 كيلومتر، مما يمنح الصاروخ قدرة على تنفيذ ضربات بعيدة عبر مسرح عمليات المحيطين الهندي والهادئ. ويرجح أن يعتمد نظام التوجيه الخاص به على دمج أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية «بيدو»، والتوجيه الراداري النشط، وبواحث الأشعة تحت الحمراء التصويرية، مما يضمن مقاومة التشويش الإلكتروني وقدرة على استهداف الأصول عالية القيمة بدقة. وبهذه الخصائص، سيُعدّ صاروخ «واي جي – 20» حجر زاوية في عقيدة منع الوصول – الحرمان من الدخول الصينية، نظراً لقدرته على اختراق الدفاعات متعددة الطبقات وتسديد طاقة حركية بسرعة فرط صوتية، مما يجعل اعتراضه بالغ الصعوبة باستخدام أنظمة الدفاع الصاروخي الحالية.
ويلاحظ أن الصواريخ السابقة، والتي يتم إطلاقها من منصات متعددة، يمكن أن تستخدم لتوجيه ضربات دقيقة للأصول البحرية عالية القيمة مثل حاملات الطائرات والسفن القتالية السطحية الكبيرة والسفن الهجومية البرمائية، مما يعزز من هيمنة بكين في المناطق البحرية المتنازع عليها، وبالتالي يمكن توظيفها في فرض حصار بحري حول تايوان، ومنع واشنطن من التدخل لمساعدتها.
وبالإضافة إلى امتلاك القدرات السابقة، تقوم الصين بمناورات بحرية حول تايوان بوتيرة مرتفعة في السنوات الأخيرة. ففي العام 2025، قامت بكين بمناورتين حول بكين كان آخرها في ديسمبر، والتي عرفت باسم مناورات «مهمة العدالة 2025»، والتي كان الهدف منها التدريب على استخدام الأصول البحرية وخفر السواحل لفرض حصار حول تايوان، كما شمل تدريبات عمليات منع التدخل الخارجي. ولم يتضمّن التمرين مشاركة حاملات الطائرات التابعة لبحرية جيش التحرير الشعبي، مما يشير إلى أنه كان مخصصاً للتدرب على جزء فقط من عملية حصار أوسع. كما شمل التمرين أيضاً تدريبات على عمليات إنزال برمائي وجوي قبالة الساحل الشرقي لتايوان، بالإضافة إلى إطلاق صواريخ بعيدة المدى، وهو ما يكشف أن الهدف لم يكن فقط التدرب على حصار تايوان، ولكن كذلك شن عمليات لتوجيه ضربة استباقية لشل القيادة، أو استعادة السيطرة على تايوان. صحيح أن بكين وظفت هذه التدريبات لردع الرئيس التايواني، لاي تشينج تي، عن تبني سياسات تدعم الانفصال، فإنها في نفس الوقت تكشف عن استعداد بكين لكل الاحتمالات، بما في ذلك الخيار العسكري المتدرج، والذي قد يتراوح بين الحصار إلى السيطرة الكاملة على الجزيرة.
ويكشف تقرير سري سربته صحيفة نيويورك تايمز بعنوان «إحاطة التفوّق» والصادر من البنتاجون الأمريكي، في ديسمبر 2025، عن صورة قاتمة في حال وقوع أي مواجهات عسكرية أمريكية – صينية محتملة بشأن تايوان. ففي محاكاة متكررة، تمكنت قوات جيش التحرير الشعبي من تدمير الأنظمة الأمريكية المتقدمة، بما في ذلك حاملة الطائرات يو إس إس جيرالد آر. فورد، قبل وصولها إلى ساحة القتال في تايوان، مستخدمة صواريخ فرط صوتية وهجمات مضادة للأقمار الصناعية لشلّ قدرات القوات الأمريكية وإغراقها.
4. التطويق البحري الأمريكي للصين: يرى بعض المحللين العسكريين أنه يجب النظر إلى الحصار البحري بوصفه خياراً للإكراه العسكري، قابلاً للتوظيف ضمن سلّم تصعيد الصراعات في حروب القوى العظمى خلال العصر النووي. وفي هذا الإطار، يوصي بعض الباحثين الأمريكيين بفرض حصار بحري على السفن التجارية الصينية لإجبار بكين على التراجع في أي صراع مستقبلي. ويرى أنصار هذا الاتجاه بأن هذا الخيار لن يؤدي إلى تصعيد الصراع بينهما إلى مستوى الحرب النووية مقارنة بالضربات التقليدية على البرّ الصيني، كما أنه أقل كلفة من الاشتباك المباشر مع القوات الجوية والبحرية الصينية قرب السواحل الصينية، وذلك على الرغم من أن استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الصادرة في عام 2018 أشارت إلى إمكانية حدوث مواجهات عسكرية تقليدية ضمناً. كما أن الصين والولايات المتحدة لن يكونا مستعدتين للمخاطرة بحرب نووية لتحقيق أهداف سياسية محدودة في صراعات مستقبلية تتعلق بتايوان أو كوريا الشمالية أو المناطق البحرية المتنازع عليها.
وتقوم فكرة الحصار البحري الأمريكي للصين على قيام القوات البحرية الأمريكية باعتراض السفن التجارية الصينية عند الممرات البحرية الحيوية في جنوب شرق آسيا، خاصة في مضيق ملقا. ويفترض هذا الطرح أن الحصار الأمريكي يمكن أن ينجح في إجبار الصين على التفاوض لإنهاء الحرب. ويتمتع مضيق ملقا بأهمية استراتيجية في هذا الإطار، إذ إنه أسرع طريق لربط المحيطين الهادئ والهندي، وأقصر طريق بحري بين الشرق الأقصى من جانب، وجنوب آسيا والشرق الأوسط وأوروبا، حيث يختصر تقريباً ثلث المسافة عن أقرب طريق بحري بديل. وبالنسبة للصين، فإن المضيق يكتسب أهمية إضافية، إذ تمر به حوالي 70 % من واردات الصين من النفط والغاز. كما أن 60 % من تجارة الصين البحرية تمر عبر المضيق، وهو ما يجعله أهم خط بحري للاقتصاد الصيني.
ولكن على الجانب الآخر، فإنه على الرغم من أن فرض حصار على السفن التجارية الصينية سوف يتطلب من الولايات المتحدة توظيف أسطولها الضخم لتنفيذ مثل هذا الأمر، فإنه يتجاهل أن فاعلية الحصار ستتطلب كذلك تعاون الدول الأخرى، لاسيما حلفاء واشنطن في جنوب شرق آسيا، وهذا التعاون قد يكون أمراً مشكوكاً فيه، خاصة في ظل أهمية الاقتصاد الصيني للاقتصاد العالمي، واعتماد أغلب الدول على السلع المصنعة في الصين. ففي عام 2025، ساهمت البلاد بحوالي 30 % من القيمة المضافة العالمية في قطاع التصنيع، محافظةً على موقعها كأكبر قوة صناعية في العالم للعام السادس عشر على التوالي، وبالتالي، فإن أي محاولة لحصار الاقتصاد الصيني سوف يترتب عليه أزمة اقتصادية عالمية تماثل الأزمة الاقتصادية العالمية لعام 2008، أو حتى أزمة الكساد العالمي (1929 – 1939).
ومن جهة أخرى، فإن الدول الحليفة لواشنطن في جنوب شرق آسيا، قد تنظر إلى الحصار الأمريكي للصين على أنه يعكس عزوف واشنطن عن تبني إجراءات أكثر حزماً تجاه الصين، ومن ثم قد تتجه إلى مهادنة بكين، بدلاً من الدخول في صراع معها، خاصة في ظل الفارق الكبير في القدرات العسكرية بين الصين وأغلب جيرانها. وبالإضافة إلى ما سبق، فإن أنصار الحصار البحري للصين يتجاهلون رد فعل الصين، والذي قد يتضمن ردوداً عسكرية لا تستهدف القوات العسكرية الأمريكية، ولكن تستهدف السفن التابعة للدول الثالثة، أو حتى استهداف الأصول الاقتصادية والتجارية للدول المجاورة المتحالفة مع واشنطن. وعلى الجانب الآخر، تتراجع وجاهة هذا الطرح، في ظل العديد من التطورات، أولها، الحرب الروسية – الأوكرانية، وما تلاها من عقوبات غربية على روسيا، وصولاً إلى محاولة الوقف التام لصادرات الطاقة الروسية إلى الدول الأوروبية، وهو الأمر الذي دفع موسكو إلى توجيه صادراتها من الطاقة شرقاً، أي إلى الصين. ففي عام 2024، شكّلت أنواع الوقود الأحفوري الثلاثة الرئيسية، وتحديداً النفط الخام، والفحم الصلب، والغاز الطبيعي (المورَّد عبر الأنابيب وكغاز طبيعي مسال)، ثلثي إجمالي صادرات روسيا إلى الصين، بقيمة بلغت 85 مليار دولار، وذلك بعد أن أغلقت معظم الأسواق الغربية أبوابها أمام موارد الطاقة الروسية في أواخر عام 2022. ومنذ ذلك الحين، اشترت الصين ما يقرب من نصف إجمالي الهيدروكربونات الروسية المصدَّرة إلى الخارج. ويلاحظ أن جانب مهم من هذه الصادرات يتم براً. أما ثاني هذه التطورات، فتتمثل في زيادة حجم الأسطول البحري الصيني، وتطلع الصين إلى التمدد بحرياً خارج جنوب شرق آسيا، فقد بلغ حجم القطع البحرية الصينية إلى نظيرتها الأمريكية حوالي 400 سفينة إلى 295 سفينة في عام 2025. وأخيراً، توجيه الصين استثمارات ضخمة في مشاريع الحزام والطريق، والتي تهدف في جانب منها إلى تقليص اعتماد بكين على مضيق ملقا، من خلال طرق برية وبحرية بديلة، مثل الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، والذي يربط غرب الصين بميناء جوادر على بحر العرب.
الخاتمة
تكشف الحالات السابقة إلى أن الحصار البحري، أو التلويح به أصبح أداة تستخدم على نطاق واسع من جانب القوى الكبرى، خاصة مع تصاعد الصراعات فيما بينها. وقد تمكنت الولايات المتحدة من تطبيق هذا الأسلوب في مواجهة فنزويلا، وتحقيق أهدافها بسرعة نسبية، وهو ما يعود إلى الاختلاف الكبير في القوة العسكرية بين الجانبين. وبالمثل، فإن فرص نجاح الصين في فرض حصار بحري حول تايوان، وتحييد الولايات المتحدة عن التدخل في مثل هذا الصراع تتصاعد مع نجاح الصين في تطوير قدراتها العسكرية، خاصة الصواريخ الفرط صوتية، والتي تمكنها من تطبيق استراتيجية منع الوصول والحرمان من الدخول. في المقابل، فإنه في علاقات القوى الكبرى، وتحديداً في العلاقة بين الصين والولايات المتحدة، تبدو هذه السياسة غير مضمونة العواقب، ولا يمكن أن تضمن لواشنطن تحقيق أهدافها، وتحديداً إكراه الصين على تغيير سياستها، سواء سعت واشنطن لفك الحصار عن تايوان، أو في حال سعت لفرض حصار بحري على السفن التجارية الصينية، إذ أن تحولات القوة العسكرية والاقتصادية في النظام الدولي الراهن بين الولايات المتحدة والصين، يجعل من هذه السياسة مغامرة غير محسوبة العواقب.
د. شادي عبدالوهاب منصور أستاذ مشارك في كلية الدفاع الوطني










