يُعدّ موسم الحج من أعظم الشعائر الدينية التي يتوافد فيها ملايين المسلمين من مختلف أنحاء العالم ليؤدّوا مناسكهم في أجواء روحانية مهيبة، ومع هذا التجمّع البشري الضخم تبرز الحاجة الملحّة إلى رفع مستوى الوعي الصحي، وترسيخ ثقافة الوقاية، حفاظاً على صحة الحجاج وسلامة المجتمعات، والحد من انتشار الأمراض أو حدوث أي طارئ صحي قد يُعكّر صفو هذه الرحلة الإيمانية.
ومن هنا تنبع أهمية “الحج الآمن صحياً” كمفهوم متكامل يبدأ قبل انطلاق الرحلة، ويستمر خلال أداء المناسك ولا يكتمل إلا بالعودة الآمنة إلى أرض الوطن.
أولاً: الاستعداد الصحي قبل الحج
تبدأ رحلة الحج الآمن من أرض الوطن وبخطوة وقائية مبكرة تتمثل في بزيارة الطبيب قبل السفر بمدة لا تقل عن شهر لتقييم الحالة الصحية العامة والتأكد من جاهزية الحاج بدنياً لأداء المناسك، خاصة لأولئك الذين يعانون أمراضاً مزمنة مثل السكري، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب، أو الجهاز التنفسي، وتُعتبر التطعيمات جزءاً لا يتجزأ من هذا الاستعداد، إذ تقي من أمراض قد تنتشر بسرعة وسط الحشود، ومن أهمها:
لقاح الحمى الشوكية: إلزامي، ويُشترط أخذه قبل السفر بأكثر من 10 أيام لضمان فعاليته.
لقاح الإنفلونزا الموسمية: يُنصح به بشدة خاصة لكبار السن والمصابين بأمراض مزمنة مثل السكري وأمراض القلب والجهاز التنفسي نظراً لتزايد خطر المضاعفات في حال الإصابة خلال فترة الحج، ويفضل الحصول عليه قبل السفر بمدة لا تقل عن 15 يوماً لضمان فعاليته.
لقاحات أخرى: مثل لقاح التهاب الكبد الفيروسي A وB، أو التيفوئيد، وتُعطى بحسب الحالة الصحية للحاج وتوصيات الجهات الصحية، خاصة للقادمين من أو المتجهين إلى مناطق ذات نسب إصابة مرتفعة.
ومن أهم توصيات الاستعداد الصحي أيضاً تجهيز حقيبة صحية شخصية تحتوي على:
الأدوية الأساسية اليومية الخاصة بالحاج بكميات تكفي فترة الحج كاملة.
نسخة من الوصفات الطبية المعتمدة تحسّباً لأي طارئ أو فقدان للدواء.
أدوات الإسعافات الأولية البسيطة (مثل لاصق الجروح، مطهر، شاش).
أدوات النظافة الشخصية (فرشاة ومعجون، مناديل، صابون سائل، مشط… إلخ).
واق شمسي لتجنّب ضربات الشمس.
كمامات طبية وجِل معقّم لليدين للوقاية من الأمراض المعدية.
ثانياً: الاحتياطات الصحية خلال أداء المناسك
خلال أيام الحج، يُواجه الحجاج تحديات صحية متعددة نتيجة الزحام الشديد، ودرجات الحرارة المرتفعة، والجهد البدني المبذول في التنقل وأداء الشعائر، إلى جانب ارتفاع احتمالية التعرض للعدوى، ولكي يحظى الحاج بتجربة روحانية آمنة يُوصى باتباع مجموعة من الإرشادات الصحية التي تضمن له الحفاظ على صحته وسلامة من حوله ومن أهمها:
الوقاية من ضربات الشمس والإجهاد الحراري
تُعد الحرارة العالية أحد أبرز المخاطر خلال موسم الحج خاصة في أوقات الذروة لذا يُنصح بما يلي:
استخدام المظلات الواقية من الشمس والابتعاد عن الشمس في ساعات الذروة.
ارتداء ملابس قطنية خفيفة وفضفاضة ويفضل أن تكون ذات ألوان فاتحة كاللون الأبيض لعكس حرارة الشمس.
شرب كميات وفيرة من الماء بشكل منتظم حتى دون الشعور بالعطش لتجنّب الجفاف.
أخذ فترات راحة متكررة لا سيما لمرضى الضغط أو كبار السن لتجنّب الإرهاق الجسدي أو الإغماء.
النظافة الشخصية
الاهتمام بالنظافة الشخصية يحد بشكل كبير من انتقال العدوى خاصة في الأماكن المشتركة:
غسل اليدين بالماء والصابون وتعقيمهما بانتظام خصوصاً قبل الأكل وبعد استخدام الحمام.
تجنب مشاركة الأدوات الشخصية (مثل المناشف وأدوات الطعام).
الوقاية من العدوى التنفسية
الازدحام الكبير يزيد من احتمالية انتقال الفيروسات التنفسية لذا يُنصح الحجاج بالتالي:
تجنب الاقتراب من المصابين بأعراض البرد أو الإنفلونزا.
استخدام الكمامة الطبية خصوصاً في الأماكن المغلقة أو شديدة الازدحام مع تغييرها بانتظام.
الحرص على تهوية غرف السكن جيدًا وفتح النوافذ متى ما أُتيح ذلك.
إدارة الأمراض المزمنة أثناء الحج
أخذ الأدوية بانتظام وفق الخطة العلاجية.
مراقبة مستويات السكر والضغط بانتظام.
تناول وجبات غذائية منتظمة ومتوازنة.
حمل بطاقة تعريف بالحالة الصحية مكتوبة باللغة العربية والإنجليزية توضّح المرض، الأدوية المستخدمة، وأرقام التواصل للطوارئ لتسهيل تقديم العناية للحاج.
الاستعداد للطوارئ الصحية
التعرف مسبقاً على مواقع العيادات والمراكز الطبية القريبة من مقر السكن والمناسك.
عدم التردد في التوجه إلى أقرب مركز صحي عند الشعور بأي أعراض غير طبيعية مثل ضيق التنفس، ألم في الصدر، ارتفاع مفاجئ في الحرارة، أو فقدان الوعي.
ثالثاً: الرعاية الصحية بعد العودة من الحج
رغم أن رحلة الحج تكون قد انتهت، فإن العناية بالصحة لا تنتهي معها، بل تكتسب أهمية خاصة خلال الأسبوعين التاليين للعودة، إذ قد تظهر بعض الأعراض الناتجة عن الإجهاد أو العدوى، ومن أبرز الخطوات التي يُنصح بها:
الراحة الجسدية: منح الجسم قسطاً كافياً من الراحة يساعد على استعادة النشاط والتوازن بعد أيام من المشي والتنقّل والجهد البدني الكبير.
المتابعة الصحية الذاتية: من الضروري مراقبة درجة حرارة الجسم والانتباه لأي أعراض غير معتادة مثل السعال، ضيق التنفس، الآلام العضلية، أو الاضطرابات الهضمية.
العزل الوقائي: في حال ظهور أعراض يُشتبه بأنها معدية يُفضّل البقاء في المنزل وتجنّب الاختلاط بالآخرين حتى زوال الأعراض وذلك لحمايةً العائلة والمجتمع.
مراجعة الطبيب: في حال استمرار الأعراض أو لمتابعة الأمراض المزمنة مثل السكري أو ارتفاع الضغط خصوصاً بعد المجهود الجسدي الكبير الذي قد يؤثر على استقرار هذه الحالات.
إن الالتزام بالإجراءات الصحية يحمي الحاج ويمنحه راحة أكبر للتركيز على المناسك، ففي الوقت الذي تتضافر فيه جهود الجهات الرسمية لتقديم أفضل الخدمات يبقى الدور الأهم على الحاج نفسه بأن يكون واعياً، متعاوناً، ومسؤولاً، ولأنّ الصحة أمانة فلنجعلها رفيقنا من نية الإحرام حتى عودتنا سالمين بقلوبٍ مطمئنة، وأجسادٍ سليمة، وذنبٍ مغفور بإذن الله.
الدكتورة بدرية الحرمي، استشارية الصحة العامة