Military Live Demonstrations - highlighting equipment performance, interoperability, and mission readiness.

التدريبات العسكرية ضبط التصعيد العسكري أم غطاء لإخفاء الهجوم

تلعب‭ ‬المناورات‭ ‬العسكرية‭ ‬أدواراً‭ ‬عدة،‭ ‬فهي‭ ‬قد‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬أهداف‭ ‬عدة،‭ ‬مثل‭ ‬رفع‭ ‬كفاءة‭ ‬القوات،‭ ‬وتعزيز‭ ‬التشغيل‭ ‬البيني‭ ‬للقوات‭ ‬المختلفة،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬التدرب‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬التكتيكات،‭ ‬واختبار‭ ‬بعض‭ ‬الخطط‭ ‬العسكرية،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬توظف‭ ‬أحياناً‭ ‬لتحقيق‭ ‬الردع،‭ ‬أي‭ ‬أنها‭ ‬تمثل‭ ‬رسالة‭ ‬للخصوم‭ ‬لردعهم‭ ‬عن‭ ‬التصعيد‭ ‬العسكري‭ ‬عبر‭ ‬تغيير‭ ‬حساباتهم‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالمكاسب‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬يجنوها‭ ‬من‭ ‬الحرب،‭ ‬أو‭ ‬تبني‭ ‬خطوات‭ ‬معينة‭. ‬ومن‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬المناورات‭ ‬الصينية‭ ‬المتكررة‭ ‬حول‭ ‬تايوان،‭ ‬والتي‭ ‬كان‭ ‬آخرها‭ “‬مهمة‭ ‬العدالة‭ ‬2025‭” (‬Justice Mission 2025‭) ‬في‭ ‬ديسمبر‭ ‬2025‭. ‬

ويكشف‭ ‬التاريخ‭ ‬العسكري،‭ ‬أحياناً،‭ ‬عن‭ ‬استخدام‭ ‬المناورات‭ ‬العسكرية‭ ‬أحياناً‭ ‬كغطاء‭ ‬للحرب،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬1973،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬إمكانية‭ ‬توظيفها‭ ‬لإظهار‭ ‬تنامي‭ ‬القدرات‭ ‬العسكرية،‭ ‬مثل‭ ‬المناورات‭ ‬الصينية‭ ‬حول‭ ‬تايوان،‭ ‬والتي‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬تأكيد‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬عمليات‭ ‬قتالية‭ ‬بالأسلحة‭ ‬المشتركة،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬تنفيذ‭ ‬عمليات‭ ‬الحصار‭ ‬البحري،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬قدرة‭ ‬الجيش‭ ‬الصيني‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬ضربات‭ ‬عسكرية‭ ‬دقيقة‭ ‬تستهدف‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الحيوية‭ . ‬وسوف‭ ‬يهدف‭ ‬التحليل‭ ‬إلى‭ ‬توضيح‭ ‬استخدامات‭ ‬وأهداف‭ ‬المناورات‭ ‬العسكرية،‭ ‬مع‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬المناورات‭ ‬البحرية‭ ‬الصينية‭ ‬حول‭ ‬تايوان،‭ ‬وتداعياتها‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭ ‬الإقليمي‭.‬

المفهوم‭ ‬والاستخدامات‭: 

يجب‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬عدة‭ ‬مفاهيم‭ ‬ترتبط‭ ‬بألعاب‭ ‬الحرب،‭ ‬وهي‭ ‬النماذج‭ ‬والمحاكاة‭ ‬وألعاب‭ ‬الحرب‭. ‬وفي‭ ‬حين‭ ‬يتم‭ ‬استخدام‭ ‬المصطلحات‭ ‬الثلاثة‭ ‬السابقة‭ ‬باعتبارها‭ ‬مرادفات‭ ‬لبعضها‭ ‬بعضاً،‭ ‬فإن‭ ‬هناك‭ ‬فوارق‭ ‬دقيقة‭ ‬بينها‭. ‬فالنماذج‭ ‬تمثل‭ ‬الواقع‭. ‬أما‭ ‬المحاكاة،‭ ‬فتهدف‭ ‬إلى‭ ‬تمثيل‭ ‬الواقع‭ ‬مع‭ ‬إدخال‭ ‬عامل‭ ‬الزمن،‭ ‬أو‭ ‬الوقت‭. ‬تتضمن‭ ‬ألعاب‭ ‬الحرب،‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬عنصراً‭ ‬من‭ ‬السرد،‭ ‬حيث‭ ‬يغمر‭ ‬اللاعبون‭ ‬أنفسهم‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬اللعبة‭ ‬ويسعون‭ ‬للتأثير‭ ‬في‭ ‬نتيجتها،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬بيئة‭ ‬لعبة‭ ‬الحرب‭ ‬ليست‭ ‬ثابتة‭. ‬على‭ ‬عكس‭ ‬المحاكاة،‭ ‬فإن‭ ‬نتائج‭ ‬لعبة‭ ‬الحرب‭ ‬لا‭ ‬تُحدد‭ ‬بالكامل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المدخلات،‭ ‬ولكن‭ ‬كذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التفاعل‭ ‬بين‭ ‬الخصوم‭. ‬لذلك،‭ ‬فإنه‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يضع‭ ‬مؤلفو‭ ‬ألعاب‭ ‬الحرب‭ ‬الخطوط‭ ‬العامة‭ ‬للعبة،‭ ‬فإنه‭ ‬يمكن‭ ‬للاعبين‭ ‬أنفسهم‭ ‬ويجب‭ ‬عليهم‭ ‬تحديد‭ ‬المسار‭ ‬الذي‭ ‬تسلكه‭ ‬اللعبة‭. ‬وبهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تُلعب‭ ‬لعبة‭ ‬حرب‭ ‬واحدة‭ ‬بنفس‭ ‬الشكل‭ ‬مرتين‭ ‬أبداً‭ .‬

ويعود‭ ‬تاريخ‭ ‬توظيف‭ ‬ألعاب‭ ‬الحرب‭ ‬إلى‭ ‬إمبراطورية‭ ‬جوبتا‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد،‭ ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬يُشار‭ ‬إلى‭ ‬لعبة‭ ‬الشطرنج‭ ‬المجردة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬‮«‬شاتورانغا‮»‬‭ ‬باعتبارها‭ ‬أقدم‭ ‬نسخة‭ ‬من‭ ‬ألعاب‭ ‬الحرب‭. ‬وقد‭ ‬وجدت‭ ‬نماذج‭ ‬مشابهة‭ ‬في‭ ‬اليونان‭ ‬القديمة‭ ‬‮«‬بيزوي‮»‬‭ (‬Pessoi‭)‬،‭ ‬ومصر‭ ‬‮«‬تاو‭ ‬وسينيت‮»‬‭ (‬Senet‭ ‬وT’au‭)‬،‭ ‬والصين‭ ‬‮«‬وي‭ ‬شي‮»‬‭ (‬Wei-chi‭). ‬تعود‭ ‬جذور‭ ‬ألعاب‭ ‬الحرب‭ ‬الحديثة‭ ‬إلى‭ ‬أوائل‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬حيث‭ ‬نشأت‭ ‬من‭ ‬الاعتقاد‭ ‬السائد‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬التنوير‭ ‬بأن‭ ‬أي‭ ‬مسعى‭ ‬بشري،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬فوضى‭ ‬المعركة،‭ ‬يمكن‭ ‬تحليله‭ ‬عبر‭ ‬المنهج‭ ‬العلمي‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت،‭ ‬باتت‭ ‬ألعاب‭ ‬الحرب‭ ‬تتبنى‭ ‬عناصر‭ ‬أخرى،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الصدفة،‭ ‬التي‭ ‬تُبرز‭ ‬الجوانب‭ ‬الأقل‭ ‬عقلانية‭ ‬للصراع‭ .‬

وبهذا‭ ‬المعنى‭ ‬كذلك،‭ ‬كانت‭ ‬ألعاب‭ ‬الحرب‭ ‬موجودة‭ ‬منذ‭ ‬العصور‭ ‬القديمة،‭ ‬حيث‭ ‬قدمت‭ ‬حضارات‭ ‬متقدمة‭ ‬مثل‭ ‬المصريين‭ ‬والآشوريين‭ ‬أمثلة‭ ‬مبكرة‭ ‬على‭ ‬ألعاب‭ ‬الحرب‭. ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬استُخدمت‭ ‬للتدريب‭ ‬العسكري‭ ‬والتخطيط‭ ‬الاستراتيجي،‭ ‬مما‭ ‬ساعد‭ ‬على‭ ‬إعداد‭ ‬الجنود‭ ‬للمعركة،‭ ‬ومكنّهم‭ ‬من‭ ‬ممارسة‭ ‬التكتيكات‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬آمنة‭ ‬مناسبة‭ ‬لاختبار‭ ‬النظريات‭ ‬وتطوير‭ ‬مسارات‭ ‬العمل‭ ‬المثلى‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التجريب‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬ألعاب‭ ‬الحرب‭ ‬وُجدت‭ ‬بأشكال‭ ‬مختلفة‭ ‬منذ‭ ‬فجر‭ ‬الحضارة،‭ ‬فإن‭ ‬استخدامها‭ ‬في‭ ‬السياقات‭ ‬العسكرية‭ ‬ازداد‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭. ‬استُخدمت‭ ‬ألعاب‭ ‬الشطرنج‭ ‬ومجسمات‭ ‬الطاولة‭ ‬لمحاكاة‭ ‬ودراسة‭ ‬استراتيجيات‭ ‬الحرب‭ ‬المختلفة،‭ ‬وبدأت‭ ‬الجيوش‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬اعتمادها‭ ‬لأغراض‭ ‬التدريب‭. ‬ومع‭ ‬تقدم‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬تعقدت‭ ‬ألعاب‭ ‬الحرب‭ ‬أيضاً،‭ ‬لتبلغ‭ ‬ذروتها‭ ‬في‭ ‬ألعاب‭ ‬الفيديو‭ ‬الحديثة‭ ‬التي‭ ‬تقدم‭ ‬محاكاة‭ ‬واقعية‭ ‬لمناطق‭ ‬الحروب‭ ‬وساحات‭ ‬المعارك‭ .‬

وبمراجعة‭ ‬الدراسات‭ ‬ذات‭ ‬الصلة،‭ ‬وجد‭ ‬أنه‭ ‬عادة‭ ‬ما‭ ‬تستخدم‭ ‬التدريبات‭ ‬العسكرية‭ ‬لتحقيق‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الأهداف،‭ ‬والتي‭ ‬يمكن‭ ‬تفصيلها‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬التالي‭: ‬

1‭. ‬التدريب‭ ‬على‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬والتكتيكات‭:‬‭ ‬تتباين‭ ‬أهداف‭ ‬المحاكاة‭ ‬بتعدد‭ ‬أشكالها،‭ ‬فهي‭ ‬قد‭ ‬يتم‭ ‬ممارستها‭ ‬على‭ ‬المستويات‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬وكذلك‭ ‬على‭ ‬المستويات‭ ‬التكتيكية‭. ‬وعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬فإن‭ ‬ألعاب‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬تطوير‭ ‬قدرات‭ ‬مثل‭ ‬التفكير‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬متعدد‭ ‬الأبعاد،‭ ‬وإدارة‭ ‬الموارد،‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬التأقلم‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬تغير‭ ‬تكتيكات‭ ‬العدو‭ ‬بسرعة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬كفاءة‭ ‬التخطيط‭ ‬العملياتي،‭ ‬واتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬وقت‭ ‬المعركة‭. ‬وعلى‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر،‭ ‬قد‭ ‬يتم‭ ‬إجراء‭ ‬محاكاة‭ ‬على‭ ‬الحرب‭ ‬السيبرانية‭ ‬أو‭ ‬استخدام‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيرة‭ .‬

2‭. ‬طمأنة‭ ‬الحلفاء‭:‬‭ ‬يُعَدّ‭ ‬تركيز‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬التدريبات‭ ‬المشتركة‭ ‬مع‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة‭ ‬للدول‭ ‬الأخرى‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬استراتيجية‭ ‬متعمّدة‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬دعم‭ ‬الحلفاء‭ ‬وردع‭ ‬التهديدات‭ ‬المحتملة‭. ‬فهي‭ ‬تعد‭ ‬بمثابة‭ ‬استعراض‭ ‬للقوة‭ ‬العسكرية،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تساهم‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬ثقة‭ ‬الأصدقاء‭ ‬وتذكّر‭ ‬الخصوم‭ ‬المحتملين‭ ‬بتكلفة‭ ‬الاشتباك‭ ‬مع‭ ‬الجيش‭ ‬الأمريكي‭. ‬تُجري‭ ‬أفرع‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الأربع،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬القوات‭ ‬الحليفة،‭ ‬تدريبات‭ ‬سنوية‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬تدريبات‭ ‬ميدانية‭ ‬روتينية‭ ‬ومحاكاة‭ ‬لصراعات‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق‭ ‬تشمل‭ ‬آلاف‭ ‬الجنود‭ ‬وعناصر‭ ‬معقدة‭ ‬من‭ ‬الدعم‭ ‬اللوجستي‭ ‬والإسناد‭ ‬ومراكز‭ ‬القيادة‭. ‬ويُنفَّذ‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬التدريبات‭ ‬سنوياً‭ ‬منذ‭ ‬عقود،‭ ‬مثل‭ ‬تمرين‭ ‬‮«‬حافة‭ ‬المحيط‭ ‬الهادئ‮»‬‭ (‬RIMPAC‭) ‬في‭ ‬شرق‭ ‬آسيا،‭ ‬و»النسر‭ ‬الحازم‮»‬‭ (‬Foal Eagle‭) ‬في‭ ‬كوريا‭ ‬الجنوبية،‭ ‬و»كوبرا‭ ‬جولد‮»‬‭ (‬Cobra Gold‭) ‬في‭ ‬تايلاند،‭ ‬و»باليكاتان‮»‬‭ (‬Balikatan‭) ‬في‭ ‬الفلبين،‭ ‬و»سي‭ ‬بريز‮»‬‭ (‬Sea Breeze‭) ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ .‬

3‭. ‬إكراه‭ ‬الخصوم‭:‬‭ ‬توظف‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬التدريبات‭ ‬العسكرية‭ ‬المشتركة‭ ‬أحياناً‭ ‬بهدف‭ ‬إكراه‭ ‬الخصوم،‭ ‬أي‭ ‬الضغط‭ ‬عليهم‭ ‬لدفعهم‭ ‬لتغيير‭ ‬سلوكهم،‭ ‬أو‭ ‬لدفعهم‭ ‬لتقديم‭ ‬تنازلات‭ ‬معينة‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬تكشف‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأمثلة‭ ‬التاريخية‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬التدريبات‭ ‬الأمريكية‭ ‬نادراً‭ ‬ما‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬تغيير‭ ‬سلوك‭ ‬الخصوم‭. ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬فإن‭ ‬التدريبات‭ ‬العسكرية‭ ‬المشتركة‭ ‬لحلف‭ ‬الناتو‭ ‬مع‭ ‬أوكرانيا‭ ‬لم‭ ‬تمنع‭ ‬موسكو‭ ‬من‭ ‬إعلان‭ ‬الحرب‭ ‬ضد‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬التدريبات‭ ‬العسكرية‭ ‬للجيش‭ ‬الأمريكي‭ ‬وجيش‭ ‬كوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬لم‭ ‬ينجح‭ ‬في‭ ‬إقناع‭ ‬كوريا‭ ‬الشمالية‭ ‬بالدخول‭ ‬في‭ ‬مفاوضات‭ ‬لنزع‭ ‬سلاحها‭ ‬النووي،‭ ‬كما‭ ‬ترغب‭ ‬واشنطن‭ .‬

4‭. ‬تعزيز‭ ‬التشغيل‭ ‬البيني‭:‬‭ ‬تهدف‭ ‬التدريبات‭ ‬العسكرية‭ ‬المشتركة‭ ‬كذلك‭ ‬لتعزيز‭ ‬الفهم‭ ‬المتبادل‭ ‬مع‭ ‬الشركاء‭ ‬بما‭ ‬يعزّز‭ ‬قابلية‭ ‬التشغيل‭ ‬البيني،‭ ‬ويُسهِم‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬في‭ ‬الاستعداد‭ ‬للحرب‭. ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬يقوم‭ ‬الجيش‭ ‬الأمريكي‭ ‬بالتدريبات،‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬الأحوال،‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬عمليات‭ ‬الانتشار‭ ‬بالتناوب‭ ‬لاختبار‭ ‬وتحسين‭ ‬قدرة‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬العمليات‭ ‬المشتركة‭ ‬والانتشار‭ ‬السريع‭ ‬لدعم‭ ‬الدول‭ ‬الحليفة‭ . ‬

5‭. ‬جمع‭ ‬المعلومات‭ ‬الاستخباراتية‭:‬‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬للتدريبات‭ ‬العسكرية‭ ‬قيمة‭ ‬استخباراتية‭ ‬عندما‭ ‬تُستخدم‭ ‬لاستكشاف‭ ‬وضع‭ ‬العدو‭ ‬وقدراته،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬الحالات‭ ‬التي‭ ‬تستفز‭ ‬الخصم،‭ ‬وتدفعه‭ ‬إلى‭ ‬تبني‭ ‬ردود‭ ‬فعل‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬دفاعات‭ ‬الخصم‭ .‬

6‭. ‬غطاء‭ ‬للحرب‭:‬‭ ‬تستخدم‭ ‬الدول‭ ‬التدريبات‭ ‬العسكرية‭ ‬كغطاء‭ ‬للحرب‭ ‬أحياناً‭. ‬ويعد‭ ‬التدريب‭ ‬العسكري‭ ‬أفضل‭ ‬غطاء‭ ‬على‭ ‬الاستعداد‭ ‬للحرب،‭ ‬لأنه‭ ‬يتضمن‭ ‬أحياناً‭ ‬تعبئة‭ ‬عدد‭ ‬ضخم‭ ‬من‭ ‬القوات،‭ ‬قد‭ ‬تماثل‭ ‬أو‭ ‬تقترب‭ ‬من‭ ‬الأعداد‭ ‬التي‭ ‬سوف‭ ‬تشارك‭ ‬فعلاً‭ ‬في‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬الهجومية‭. ‬وهناك‭ ‬مثالان‭ ‬تاريخيان‭ ‬على‭ ‬ذلك‭. ‬المثال‭ ‬الأول‭ ‬هو‭ ‬التدريبات‭ ‬العسكرية‭ ‬وتعبئة‭ ‬القوات‭ ‬التي‭ ‬تمت‭ ‬ثلاث‭ ‬مرات‭ ‬آخرها‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬6‭ ‬أكتوبر‭ ‬1973،‭ ‬وهو‭ ‬اليوم‭ ‬الذي‭ ‬شنّت‭ ‬فيه‭ ‬مصر‭ ‬حربها‭ ‬لاستعادة‭ ‬أراضيها‭ ‬المحتلة‭ ‬من‭ ‬إسرائيل‭. ‬فقد‭ ‬أدى‭ ‬التكرار‭ ‬المتعمد‭ ‬لإجراءات‭ ‬التعبئة‭ ‬العامة‭ ‬واستدعاء‭ ‬القوات‭ ‬على‭ ‬طول‭ ‬الجبهة‭ ‬الغربية‭ ‬لقناة‭ ‬السويس‭ ‬ثم‭ ‬تسريحها،‭ ‬إلى‭ ‬جعل‭ ‬القيادة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬مترددة‭ ‬للغاية‭ ‬في‭ ‬إعلان‭ ‬حالة‭ ‬الجاهزية‭ ‬القصوى‭ ‬إزاء‭ ‬كل‭ ‬تعبئة‭ ‬تقوم‭ ‬بها‭ ‬مصر‭ ‬وفي‭ ‬تنفيذ‭ ‬تعبئة‭ ‬كاملة‭ ‬للقوات‭ ‬يوم‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ .‬

ولم‭ ‬يتوقف‭ ‬الأمر‭ ‬عند‭ ‬مجرد‭ ‬تعبئة‭ ‬القوات‭ ‬وتسريحها،‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬القوات‭ ‬المصرية‭ ‬طوال‭ ‬صيف‭ ‬عام‭ ‬1972،‭ ‬تتدرب‭ ‬على‭ ‬عبور‭ ‬القناة‭ ‬أمام‭ ‬قوات‭ ‬إسرائيل،‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬تفريعة‭ ‬جزيرة‭ ‬البلاح‭ ‬شمال‭ ‬الإسماعيلية،‭ ‬حيث‭ ‬أعد‭ ‬المصريون‭ ‬شواطئ‭ ‬للنزول‭ ‬عليها‭. ‬وقابلت‭ ‬إسرائيل‭ ‬هذه‭ ‬المشاهد‭ ‬بالضحك‭ ‬والسخرية‭ ‬معتقدين‭ ‬أن‭ ‬القوات‭ ‬المصرية‭ ‬عاجزة‭ ‬على‭ ‬عبور‭ ‬أكبر‭ ‬خط‭ ‬دفاعي‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭. ‬والغريب‭ ‬أن‭ ‬عبور‭ ‬القوات‭ ‬المصرية‭ ‬في‭ ‬السادس‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬كان‭ ‬مطابقاً‭ ‬تماماً‭ ‬لما‭ ‬حدث‭ ‬سابقاً‭ ‬بكل‭ ‬تفاصيله‭ ‬الدقيقة،‭ ‬ولذلك‭ ‬اعتقد‭ ‬العدو‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬تمريناً‭ ‬تدريبياً‭ ‬عادياً،‭ ‬وكان‭ ‬كذلك‭ ‬بالفعل،‭ ‬ولكنه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬كان‭ ‬تمريناً‭ ‬عملياً‭ ‬على‭ ‬خطة‭ ‬العبور‭ .‬

أما‭ ‬المثال‭ ‬الثاني،‭ ‬فيتمثل‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬–‭ ‬الأوكرانية،‭ ‬فقد‭ ‬أقدمت‭ ‬موسكو‭ ‬على‭ ‬تعبئة‭ ‬قواتها‭ ‬العسكرية‭ ‬حول‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬مناورات‭ ‬‮«‬زاباد‭ ‬2021‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬قامت‭ ‬بتعبئة‭ ‬حوالي‭ ‬مائتي‭ ‬ألف‭ ‬جندي‭ ‬حول‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬2021،‭ ‬أي‭ ‬قبل‭ ‬الحرب‭ ‬ببضعة‭ ‬أشهر،‭ ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬هنا‭ ‬إن‭ ‬روسيا‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تكترث‭ ‬لإخفاء‭ ‬نواياها‭ ‬الهجومية،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬نفت‭ ‬ذلك‭ ‬دبلوماسياً،‭ ‬نظراً‭ ‬لأنه‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬القوات‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬نشرها‭ ‬كانت‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬استعداد‭ ‬قتالي،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬روسيا‭ ‬استخدمت‭ ‬القوات‭ ‬كورقة‭ ‬تفاوضية‭ ‬وقتها‭ ‬لإكراه‭ ‬أوكرانيا‭ ‬على‭ ‬الانصياع‭ ‬لطلبات‭ ‬الكرملين‭ ‬بالتخلي‭ ‬عن‭ ‬الانضمام‭ ‬نهائياً‭ ‬لحلف‭ ‬الناتو‭. ‬وكانت‭ ‬الطلبات‭ ‬الروسية‭ ‬واضحة،‭ ‬وهي‭ ‬إما‭ ‬إذعان‭ ‬أوكرانيا‭ ‬وإعلان‭ ‬عدم‭ ‬الانضمام‭ ‬إلى‭ ‬الناتو،‭ ‬أو‭ ‬الحرب‭. ‬

مناورات‭ ‬‮«‬مهمة‭ ‬العدالة‭ ‬2025‮»‬‭ ‬

قامت‭ ‬الصين،‭ ‬في‭ ‬ديسمبر‭ ‬2025،‭ ‬بحشد‭ ‬وحدات‭ ‬من‭ ‬الجيش‭ ‬والبحرية‭ ‬والقوات‭ ‬الجوية‭ ‬والصواريخ‭ ‬حول‭ ‬تايوان،‭ ‬في‭ ‬مناورات‭ ‬عسكرية‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق‭ ‬لاختبار‭ ‬ما‭ ‬وصفته‭ ‬بالجاهزية‭ ‬القتالية،‭ ‬ولتوجيه‭ ‬‮«‬تحذير‭ ‬جاد‮»‬‭ ‬ضد‭ ‬أي‭ ‬تحرك‭ ‬لاستقلال‭ ‬تايوان‭. ‬وكانت‭ ‬الصين‭ ‬قد‭ ‬كثفت‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ‭ ‬تدريبات‭ ‬تطويق‭ ‬تايوان‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2022،‭ ‬عقب‭ ‬زيارة‭ ‬رئيسة‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬الأمريكي‭ ‬السابقة،‭ ‬نانسي‭ ‬بيلوسي،‭ ‬إلى‭ ‬تايبيه،‭ ‬والتي‭ ‬نظرت‭ ‬إليها‭ ‬بكين‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬دعماً‭ ‬أمريكياً‭ ‬لانفصال‭ ‬تايوان‭ ‬عن‭ ‬بكين‭ . 

تجدر‭ ‬الإشارة‭ ‬هنا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المناورات‭ ‬البحرية‭ ‬الصينية‭ ‬كانت‭ ‬السادسة‭ ‬منذ‭ ‬العام‭ ‬2022،‭ ‬وكان‭ ‬مسببها‭ ‬الرئيسي‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬هو‭ ‬تبني‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬واليابان‭ ‬وتايوان‭ ‬خطوات‭ ‬هدفت‭ ‬إلى‭ ‬تأكيد‭ ‬استقلال‭ ‬الأخيرة‭ ‬عن‭ ‬الصين‭. ‬فقد‭ ‬صرحت‭ ‬رئيسة‭ ‬الوزراء‭ ‬اليابانية،‭ ‬ساناي‭ ‬تاكايتشي،‭ ‬أن‭ ‬بلادها‭ ‬قد‭ ‬ترد‭ ‬عسكريا‭ ‬إذا‭ ‬تحركت‭ ‬الصين‭ ‬للاستيلاء‭ ‬على‭ ‬تايوان‭ ‬بالقوة‭ . ‬كما‭ ‬أعلنت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬عن‭ ‬مبيعات‭ ‬عسكرية‭ ‬لتايوان‭ ‬قيمتها‭ ‬11‭.‬1‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬تعهد‭ ‬تايوان‭ ‬بزيادة‭ ‬الإنفاق‭ ‬العسكري‭. ‬وركزت‭ ‬المبيعات‭ ‬العسكرية‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬إمداد‭ ‬تايبيه‭ ‬بالأسلحة‭ ‬التي‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬عرقلة‭ ‬قدرة‭ ‬بكين‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬حصار‭ ‬بحري‭ ‬على‭ ‬جزيرة‭ ‬تايوان،‭ ‬مثل‭ ‬راجمات‭ ‬هيمارس،‭ ‬وأنظمة‭ ‬أتاكامس،‭ ‬وذلك‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيرة‭ ‬‮«‬ألتيوس‮»‬‭ (‬Altius‭)‬،‭ ‬وصواريخ‭ ‬جافلين‭ ‬المضادة‭ ‬للدبابات‭ . ‬وتشبه‭ ‬أغلب‭ ‬الأسلحة‭ ‬الأمريكية‭ ‬لتايوان‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬أمدت‭ ‬واشنطن‭ ‬بها‭ ‬أوكرانيا‭ ‬لدعمها‭ ‬في‭ ‬حربها‭ ‬ضد‭ ‬روسيا‭ . ‬

على‭ ‬الجانب‭ ‬الأخر،‭ ‬هدفت‭ ‬المناورات‭ ‬البحرية‭ ‬الصينية‭ ‬حول‭ ‬تايوان‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬هدفين‭ ‬أساسيين،‭ ‬أولاً،‭ ‬تطويق‭ ‬الجزيرة،‭ ‬وذلك‭ ‬عبر‭ ‬محاكاة‭ ‬حصار‭ ‬الموانئ‭ ‬الرئيسية،‭ ‬ومهاجمة‭ ‬الأهداف‭ ‬البحرية‭. ‬فقد‭ ‬قامت‭ ‬القوات‭ ‬البحرية‭ ‬الصينية‭ ‬بمحاكاة‭ ‬عملية‭ ‬حصار‭ ‬ضد‭ ‬كيلونغ،‭ ‬وهي‭ ‬مدينة‭ ‬ساحلية‭ ‬رئيسية‭ ‬مجاورة‭ ‬لتايبيه،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬عمليات‭ ‬الحصار‭ ‬ضد‭ ‬تايوان‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬ذا‭ ‬فاعلية‭ ‬عسكرية‭ ‬كبيرة،‭ ‬خاصة‭ ‬وأن‭ ‬الجزيرة‭ ‬تعتمد‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬واردات‭ ‬الطاقة‭ ‬من‭ ‬الخارج،‭ ‬والتي‭ ‬يصل‭ ‬معظمها‭ ‬عبر‭ ‬ميناء‭ ‬كاوشيونغ‭. ‬وثانياً،‭ ‬صد‭ ‬‮«‬التدخل‮»‬‭ ‬الأجنبي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬وضح‭ ‬في‭ ‬إقدام‭ ‬الصين‭ ‬على‭ ‬مناورات‭ ‬تستهدف‭ ‬رصد‭ ‬الغواصات‭ ‬المعادية،‭ ‬بينما‭ ‬اتخذت‭ ‬سفن‭ ‬صينية‭ ‬في‭ ‬الجنوب‭ ‬مواقع‭ ‬يمكنها‭ ‬من‭ ‬منع‭ ‬القوات‭ ‬الأجنبية‭ ‬من‭ ‬دخول‭ ‬مضيق‭ ‬تايوان‭ ‬مع‭ ‬قطع‭ ‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬ميناء‭ ‬كاوشيونغ،‭ ‬أكبر‭ ‬ميناء‭ ‬في‭ ‬تايوان‭. ‬وأشارت‭ ‬صحف‭ ‬صينية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬قوات‭ ‬البحرية‭ ‬الصينية‭ ‬المنتشرة‭ ‬شرق‭ ‬تايوان‭ ‬تدربت‭ ‬على‭ ‬منع‭ ‬أي‭ ‬قوات‭ ‬عسكرية‭ ‬معادية‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الجزيرة،‭ ‬على‭ ‬الأرجح‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬حصار‭ ‬مدينة‭ ‬هوا‭ ‬ليان‭ ‬الساحلية‭. ‬من‭ ‬المحتمل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬قوات‭ ‬جيش‭ ‬التحرير‭ ‬الشعبي‭ ‬الصيني‭ ‬قد‭ ‬نشرت‭ ‬قواتها‭ ‬في‭ ‬طرق‭ ‬الملاحة‭ ‬البحرية‭ ‬والجوية‭ ‬الرئيسية‭ ‬لإثبات‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تعطيل‭ ‬هذه‭ ‬الاتصالات‭ ‬بالقوة‭ ‬العسكرية‭ ‬وممارسة‭ ‬التحركات‭ ‬اللازمة‭ ‬للقيام‭ ‬بذلك‭ . ‬وبالتالي،‭ ‬تسعى‭ ‬بكين‭ ‬للتأكيد‭ ‬لتايوان‭ ‬بأن‭ ‬واشنطن‭ ‬لن‭ ‬تستطيع‭ ‬القدوم‭ ‬لدعم‭ ‬تايوان‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬قررت‭ ‬الصين‭ ‬فرض‭ ‬حصار‭ ‬بحري‭ ‬على‭ ‬تايوان‭ ‬بالقوة‭ ‬العسكرية‭. ‬وأكد‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬إعلان‭ ‬الجيش‭ ‬الصيني‭ ‬صراحة‭ ‬أن‭ ‬هدف‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬هو‭ ‬اختبار‭ ‬التنسيق‭ ‬بين‭ ‬القوات‭ ‬البحرية‭ ‬والجوية‭ ‬والبحث‭ ‬الدقيق‭ ‬عن‭ ‬الأهداف‭ ‬وتحييدها،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الهجمات‭ ‬على‭ ‬الغواصات‭ ‬والأهداف‭ ‬البحرية‭ ‬الأخرى‭ . ‬

وبالتالي،‭ ‬فإنه‭ ‬في‭ ‬حقيقة‭ ‬الأمر‭ ‬جاء‭ ‬الدعم‭ ‬العسكري‭ ‬الأمريكي‭ ‬لتايوان،‭ ‬وكذلك‭ ‬المناورات‭ ‬الصينية‭ ‬حول‭ ‬الأخيرة‭ ‬لتكون‭ ‬بمثابة‭ ‬رسائل‭ ‬تهديد‭ ‬من‭ ‬واشنطن‭ ‬وبكين‭ ‬تجاه‭ ‬الطرف‭ ‬الأخر‭. ‬ويلاحظ‭ ‬أن‭ ‬الرسائل‭ ‬الصينية‭ ‬إلى‭ ‬تايوان‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المناورات‭ ‬كانت‭ ‬مكلفة،‭ ‬وذلك‭ ‬نظراً‭ ‬لأنها‭ ‬تستعرض‭ ‬أمام‭ ‬الجيش‭ ‬التايواني‭ ‬والأمريكي‭ ‬جانب‭ ‬من‭ ‬الإجراءات‭ ‬التي‭ ‬سوف‭ ‬تقدم‭ ‬على‭ ‬تنفيذها‭ ‬عسكرياً‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬سعت‭ ‬الجزيرة‭ ‬لإعلان‭ ‬انفصالها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أنه‭ ‬سوف‭ ‬يتوجب‭ ‬عليها‭ ‬تغيير‭ ‬جانب‭ ‬منها،‭ ‬واستحداث‭ ‬عنصر‭ ‬جديد‭ ‬للمفاجئة،‭ ‬نظراً‭ ‬لأن‭ ‬الجيشين‭ ‬التايواني‭ ‬والأمريكي‭ ‬اطلعا‭ ‬على‭ ‬المناورات،‭ ‬وسوف‭ ‬يقومومان‭ ‬بوضع‭ ‬خطط‭ ‬عسكرية‭ ‬مناوئة‭ ‬لها‭. ‬

وعلى‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر،‭ ‬فإن‭ ‬الصين‭ ‬أطلقت‭ ‬صواريخ‭ ‬في‭ ‬المياه‭ ‬القريبة‭ ‬من‭ ‬تايوان،‭ ‬وذلك‭ ‬بهدف‭ ‬ترك‭ ‬أثر‭ ‬نفسي‭ ‬على‭ ‬سكان‭ ‬الجزيرة،‭ ‬وقادتها‭ ‬السياسيين‭ ‬الداعمين‭ ‬للانفصال،‭ ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬البرلمان‭ ‬التايواني‭ ‬منقسم‭ ‬بين‭ ‬فصيلين،‭ ‬الفصيل‭ ‬الأول‭ ‬الداعم‭ ‬لعلاقات‭ ‬ودية‭ ‬مع‭ ‬الصين،‭ ‬وحتى‭ ‬وحدة‭ ‬مشروطة‭. ‬يمثل‭ ‬هذا‭ ‬الفصيل‭ ‬حزب‭ ‬الكومينتانج‭ ‬المعارض،‭ ‬وحليفه‭ ‬حزب‭ ‬الشعب‭ ‬التايواني،‭ ‬واللذان‭ ‬معاً‭ ‬يمتلكان‭ ‬الأغلبية‭ ‬في‭ ‬البرلمان‭ ‬التايواني،‭ ‬والحزب‭ ‬الديمقراطي‭ ‬التقدمي،‭ ‬والذي‭ ‬يدعو‭ ‬لاستقلال‭ ‬تايوان‭ ‬عن‭ ‬الصين‭. ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬الحزب‭ ‬الأخير‭ ‬صار‭ ‬أقلية‭ ‬في‭ ‬البرلمان‭ ‬التايواني،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬رئيس‭ ‬تايوان،‭ ‬لاي‭ ‬تشينغ‭-‬ته،‭ ‬ينتمي‭ ‬لهذا‭ ‬الحزب،‭ ‬ويدفع‭ ‬باتجاه‭ ‬استقلال‭ ‬تايوان‭ ‬عن‭ ‬الصين‭ . ‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬محاولة‭ ‬الرئيس‭ ‬التايواني،‭ ‬في‭ ‬يوليو‭ ‬2025،‭ ‬إجراء‭ ‬انتخابات‭ ‬لعزل‭ ‬حوالي‭ ‬31‭ ‬نائباً‭ ‬من‭ ‬حزب‭ ‬كومينتانغ‭ ‬المعارض،‭ ‬بعد‭ ‬اتهامهم‭ ‬بالموالاة‭ ‬للصين‭ ‬وتشكيل‭ ‬تهديد‭ ‬أمني،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لاستبدالهم‭ ‬بالموالين‭ ‬له،‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬عزل‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬12‭ ‬نائباً‭ ‬من‭ ‬كومينتانغ‭ ‬لضمان‭ ‬غالبية‭ ‬مؤقتة‭ ‬في‭ ‬البرلمان،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬أخفق‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المسعى،‭ ‬إذ‭ ‬أكدت‭ ‬الانتخابات‭ ‬شعبية‭ ‬الأعضاء‭ ‬المعارضين‭. ‬وكان‭ ‬الرئيس‭ ‬التايواني‭ ‬يرغب‭ ‬في‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬المعارضة،‭ ‬نظراً‭ ‬لأنهم‭ ‬عارضوا‭ ‬أجندته،‭ ‬والتي‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬ضمنها‭ ‬رفع‭ ‬الإنفاق‭ ‬العسكري،‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬حزبي‭ ‬المعارضة‭ ‬يقترح‭ ‬تشريعات‭ ‬يراها‭ ‬الرئيس‭ ‬التايواني‭ ‬أنها‭ ‬تستهدف‭ ‬إضعاف‭ ‬دفاعات‭ ‬تايوان‭ . ‬وتجدر‭ ‬الإشارة‭ ‬هنا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬حزب‭ ‬الكومينتانغ‭ ‬المعارض،‭ ‬انتخب‭ ‬النائبة‭ ‬السابقة‭ ‬تشينغ‭ ‬لي‭-‬وون‭ ‬رئيسةً‭ ‬للحزب،‭ ‬والتي‭ ‬سبق‭ ‬وأن‭ ‬حذرت‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬تايوان‭ ‬ضحية‭ ‬الجيوبوليتيك‭. ‬وأعلنت‭ ‬تشينغ‭ ‬لي‭-‬وون،‭ ‬أثناء‭ ‬حملتها‭ ‬الانتخابية‭ ‬أنها‭ ‬ترفض‭ ‬زيادة‭ ‬الإنفاق‭ ‬العسكري،‭ ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يدعمه‭ ‬الرئيس‭ ‬التايواني‭ ‬المدعوم‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ . ‬

ويبدو‭ ‬أن‭ ‬الصين،‭ ‬بمناوراتها‭ ‬البحرية‭ ‬تلك،‭ ‬تستهدف‭ ‬التأثير‭ ‬على‭ ‬الحسابات‭ ‬الداخلية‭ ‬لسكان‭ ‬الجزيرة،‭ ‬عبر‭ ‬دفعهم‭ ‬لتجنب‭ ‬ويلات‭ ‬الحرب،‭ ‬ومساندة‭ ‬الأحزاب‭ ‬التي‭ ‬ترفض‭ ‬الاستقلال‭ ‬عن‭ ‬الصين‭. ‬ويدعمها‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬مآلات‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬–‭ ‬الأوكرانية،‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬أنها‭ ‬سوف‭ ‬تنتهي،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬السائدة،‭ ‬لصالح‭ ‬كييف،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الدعم‭ ‬الغربي‭ ‬الكامل‭ ‬لها‭. ‬

أما‭ ‬عسكرياً،‭ ‬فإن‭ ‬الاستعدادات‭ ‬للحرب‭ ‬لم‭ ‬تتوقف،‭ ‬ففي‭ ‬أواخر‭ ‬نوفمبر‭ ‬2025،‭ ‬أعلن‭ ‬الرئيس‭ ‬التايواني‭ ‬نيته‭ ‬تجهيز‭ ‬جيش‭ ‬بحلول‭ ‬العام‭ ‬2027‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬الصين،‭ ‬وهو‭ ‬التاريخ‭ ‬الذي‭ ‬رجحه‭ ‬وليام‭ ‬بيرنز،‭ ‬رئيس‭ ‬وكالة‭ ‬الاستخبارات‭ ‬المركزية‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2023،‭ ‬ليكون‭ ‬موعد‭ ‬الغزو‭ ‬الصيني‭ ‬المحتمل‭ ‬لتايوان‭. ‬كما‭ ‬أعلن‭ ‬الرئيس‭ ‬التايواني،‭ ‬في‭ ‬يناير‭ ‬2026،‭ ‬أي‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬المناورات‭ ‬الصينية،‭ ‬الدفاع‭ ‬بحزم‭ ‬عن‭ ‬السيادة‭ ‬الوطنية،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الدفاع‭ ‬الوطني‭ ‬وصمود‭ ‬المجتمع،‭ ‬وإنشاء‭ ‬قدرات‭ ‬ردع‭ ‬فعالة‭. ‬ويكشف‭ ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬كلا‭ ‬الطرفين،‭ ‬الصيني‭ ‬والتايواني،‭ ‬يستعدان‭ ‬للحرب،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬مشابه‭ ‬للحرب‭ ‬الروسية‭ ‬–‭ ‬الأوكرانية،‭ ‬والتي‭ ‬بدأ‭ ‬الاستعداد‭ ‬لها‭ ‬منذ‭ ‬العام‭ ‬2014،‭ ‬أي‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬ضمت‭ ‬روسيا‭ ‬شبه‭ ‬جزيرة‭ ‬القرم‭ ‬من‭ ‬أوكرانيا‭. ‬

الخاتمة

يكشف‭ ‬التحليل‭ ‬السابق‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬المناورات‭ ‬العسكرية‭ ‬تلعب‭ ‬عدة‭ ‬أدوار،‭ ‬إذ‭ ‬أنها‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬توظف‭ ‬بهدف‭ ‬ردع‭ ‬الخصوم،‭ ‬أو‭ ‬تحقيق‭ ‬عنصر‭ ‬المفاجأة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬عبر‭ ‬إخفاء‭ ‬الاستعدادات‭ ‬لشن‭ ‬حرب‭ ‬عسكرية،‭ ‬وذلك‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مهامها‭ ‬التقليدية،‭ ‬والتي‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬كفاءة‭ ‬القوات،‭ ‬وتعزيز‭ ‬التخطيط‭ ‬العسكري‭. ‬وبالانتقال‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬المناورات‭ ‬العسكرية‭ ‬الصينية‭ ‬السادسة‭ ‬حول‭ ‬تايوان،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬إجراء‭ ‬الصين‭ ‬لمناورات‭ ‬عسكرية‭ ‬متكررة‭ ‬حول‭ ‬الجزيرة‭ ‬تؤشر‭ ‬إلى‭ ‬عزيمتها‭ ‬على‭ ‬منع‭ ‬انفصال‭ ‬تايوان‭ ‬عنها،‭ ‬باعتبارها‭ ‬جزءاً‭ ‬لا‭ ‬تتجزأ‭ ‬من‭ ‬سيادتها‭ ‬الوطنية‭. ‬صحيح‭ ‬أنها‭ ‬تأمل‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬حل‭ ‬القضية‭ ‬دبلوماسياً‭ ‬وسياسياً،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬القوى‭ ‬على‭ ‬الجزيرة‭ ‬الداعمة‭ ‬لهذا‭ ‬الخيار،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الخيار‭ ‬العسكري‭ ‬سوف‭ ‬يسقط،‭ ‬سواء‭ ‬للضغط‭ ‬على‭ ‬السياسيين‭ ‬التايوانيين‭ ‬الداعمين‭ ‬للانفصال،‭ ‬أو‭ ‬للتأكيد‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬جديتها‭ ‬في‭ ‬منع‭ ‬استقلال‭ ‬الجزيرة‭. ‬ويثير‭ ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬التساؤل،‭ ‬وهو‭ ‬هل‭ ‬تتعلم‭ ‬تايوان‭ ‬من‭ ‬الدرس‭ ‬الأوكراني،‭ ‬أم‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬إحدى‭ ‬ضحايا‭ ‬الجيوبوليتيك‭.‬●

د‭. ‬شادي‭ ‬عبدالوهاب ‬‬أستاذ‭ ‬مشارك‭ ‬في‭ ‬كلية‭ ‬الدفاع‭ ‬الوطني‭ ‬ـــــ‭ ‬أبوظبي‭

Youtube
WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض