Wargames_Main3

الألعاب الحربية في تدريب وتكوين العسكريين

تعيش‭ ‬المؤسسة‭ ‬العسكرية‭ ‬العالمية‭ ‬اليوم‭ ‬لحظة‭ ‬تحول‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬في‭ ‬تاريخها‭ ‬الحديث،‭ ‬لحظة‭ ‬تتجاوز‭ ‬فيها‭ ‬الحروب‭ ‬نماذجها‭ ‬التقليدية‭ ‬وتدخل‭ ‬في‭ ‬نطاق‭ ‬جديد‭ ‬تُدار‭ ‬فيه‭ ‬العمليات‭ ‬ضمن‭ ‬بيئات‭ ‬معقّدة،‭ ‬متعددة‭ ‬الاتجاهات،‭ ‬شديدة‭ ‬السرعة،‭ ‬ومشحونة‭ ‬بالضبابية‭ ‬المعلوماتية‭ ‬والتهديدات‭ ‬المتزامنة‭ ‬عبر‭ ‬البر‭ ‬والبحر‭ ‬والجو‭ ‬والفضاء‭ ‬والمجال‭ ‬السيبراني‭. ‬

هذا‭ ‬التحول‭ ‬لا‭ ‬ينعكس‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬العمليات،‭ ‬بل‭ ‬يفرض‭ ‬إعادة‭ ‬هندسة‭ ‬المعرفة‭ ‬العسكرية‭ ‬نفسها،‭ ‬وإعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬أدوات‭ ‬التعليم‭ ‬العسكري،‭ ‬وفي‭ ‬كيفية‭ ‬صناعة‭ ‬العسكري‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬قيادة‭ ‬قواته‭ ‬ضمن‭ ‬عالم‭ ‬لا‭ ‬تتسق‭ ‬فيه‭ ‬المعطيات‭ ‬ولا‭ ‬تستقر‭ ‬فيه‭ ‬قواعد‭ ‬الاشتباك‭.‬

وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬التحول،‭ ‬برزت‭ ‬الألعاب‭ ‬الحربية،‭ ‬التي‭ ‬تعود‭ ‬جذورها‭ ‬إلى‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬ليس‭ ‬بوصفها‭ ‬تقنية‭ ‬تدريبية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬كأداة‭ ‬فلسفية‭ ‬لبناء‭ ‬العقلية‭ ‬العسكرية،‭ ‬وكبيئة‭ ‬معرفية‭ ‬تسمح‭ ‬بتطوير‭ ‬التفكير‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬والتكتيكي،‭ ‬وتكريس‭ ‬قدرة‭ ‬الضابط‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬تحت‭ ‬الضغط،‭ ‬وفهم‭ ‬الأنظمة‭ ‬المعقدة،‭ ‬وإدارة‭ ‬المفارقات‭ ‬العملياتية‭. ‬ومع‭ ‬تطور‭ ‬علوم‭ ‬المحاكاة‭ ‬والحوسبة‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬أصبحت‭ ‬الألعاب‭ ‬الحربية‭ ‬اليوم‭ ‬مختبرًا‭ ‬فكريًا‭ ‬يمكّن‭ ‬المؤسسة‭ ‬العسكرية‭ ‬من‭ ‬اختبار‭ ‬الفرضيات،‭ ‬واستشراف‭ ‬التهديدات،‭ ‬وتجريب‭ ‬التكتيكات‭ ‬والعقائد‭ ‬قبل‭ ‬تطبيقها‭ ‬في‭ ‬الميدان‭.‬

وتهدف‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬إلى‭ ‬تقديم‭ ‬إطار‭ ‬تحليلي‭ ‬شامل‭ ‬لدور‭ ‬الألعاب‭ ‬الحربية‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬العسكريين‭ ‬ضمن‭ ‬الجيوش‭ ‬الحديثة‭. ‬وهي‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬مقاربة‭ ‬عالمية‭ ‬عامة،‭ ‬مع‭ ‬توظيف‭ ‬التجربة‭ ‬الفرنسية‭ ‬كنموذج‭ ‬تطبيقي‭ ‬دالّ‭ ‬على‭ ‬طبيعة‭ ‬التحول‭ ‬المؤسساتي‭ ‬الذي‭ ‬يشهده‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭. ‬وتعرض‭ ‬الدراسة‭ ‬القيمة‭ ‬التربوية‭ ‬للألعاب‭ ‬الحربية،‭ ‬وخصائصها‭ ‬البيداغوجية،‭ ‬وتطبيقاتها‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الأفرع‭ ‬العسكرية،‭ ‬والتحديات‭ ‬البنيوية‭ ‬لدمجها،‭ ‬وآفاق‭ ‬تطورها‭ ‬المستقبلي،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬استخلاص‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬ثقافة‭ ‬عسكرية‭ ‬جديدة‭ ‬تتلاءم‭ ‬مع‭ ‬متطلبات‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭.‬

التحوّل‭ ‬البنيوي‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬العسكري‭ ‬وتأثيره‭ ‬على‭ ‬صعود‭ ‬الألعاب‭ ‬الحربية

عاشت‭ ‬المؤسسات‭ ‬العسكرية‭ ‬طوال‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬ضمن‭ ‬بنية‭ ‬معرفية‭ ‬تعتمد‭ ‬أساسًا‭ ‬على‭ ‬التلقين،‭ ‬والمحاضرات،‭ ‬ونقل‭ ‬الخبرات‭ ‬عبر‭ ‬نموذج‭ ‬‮«‬المعلم‭ ‬والمتعلم‮»‬‭. ‬وقد‭ ‬خدم‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬الجيوش‭ ‬التقليدية،‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬قادرًا‭ ‬بمفرده‭ ‬على‭ ‬تلبية‭ ‬متطلبات‭ ‬عصر‭ ‬تتقاطع‭ ‬فيه‭ ‬المجالات،‭ ‬وتتسارع‭ ‬فيه‭ ‬العمليات،‭ ‬وتتفكك‭ ‬فيه‭ ‬اليقينيات‭. ‬وقد‭ ‬دفع‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬المؤسسات‭ ‬التعليمية‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬كثيرة‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬النموذج‭ ‬التعليمي‭: ‬من‭ ‬نقل‭ ‬المعرفة‭ ‬إلى‭ ‬إنتاج‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التفكير‭.‬

ومع‭ ‬دخول‭ ‬الجيوش‭ ‬عصر‭ ‬‮«‬العمليات‭ ‬متعددة‭ ‬المجالات‮»‬،‭ ‬أصبح‭ ‬الضابط‭ ‬الحديث‭ ‬مطالبًا‭ ‬بأن‭ ‬يدمج‭ ‬بين‭ ‬قدراته‭ ‬الذهنية،‭ ‬ومهاراته‭ ‬التقنية،‭ ‬وخبرته‭ ‬العملية‭. ‬وهي‭ ‬مهارات‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اكتسابها‭ ‬عبر‭ ‬الاستماع‭ ‬إلى‭ ‬الدروس،‭ ‬بل‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬خبرة‭ ‬تفاعلية‭ ‬تسمح‭ ‬للمتعلم‭ ‬بالوقوع‭ ‬في‭ ‬الخطأ،‭ ‬وتحليل‭ ‬تبعاته،‭ ‬وإعادة‭ ‬بناء‭ ‬فهمه‭ ‬للموقف‭ ‬العملياتي‭.‬

وقد‭ ‬شكّلت‭ ‬التجربة‭ ‬الفرنسية‭ ‬مثالًا‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭. ‬فبدءًا‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬2018،‭ ‬أعادت‭ ‬وزارة‭ ‬الجيوش‭ ‬توجيه‭ ‬المناهج‭ ‬العسكرية‭ ‬نحو‭ ‬تبني‭ ‬الألعاب‭ ‬الحربية‭ ‬كأداة‭ ‬مركزية‭ ‬داخل‭ ‬المدارس‭ ‬العسكرية،‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬مبادرات‭ ‬مماثلة‭ ‬في‭ ‬الجيوش‭ ‬الأمريكية‭ ‬والبريطانية‭ ‬واليابانية‭. ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬يُنظر‭ ‬إلى‭ ‬الألعاب‭ ‬بوصفها‭ ‬ملحقًا‭ ‬تدريبيًا،‭ ‬بل‭ ‬كجزء‭ ‬من‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬الثقافة‭ ‬العسكرية‭ ‬الفرنسية،‭ ‬وكرافعة‭ ‬لإدخال‭ ‬التفكير‭ ‬التفاعلي‭ ‬في‭ ‬صلب‭ ‬تكوين‭ ‬الضابط‭. ‬كما‭ ‬ساهم‭ ‬إنشاء‭ ‬وحدات‭ ‬متخصصة‭ ‬في‭ ‬الألعاب‭ ‬الحربية‭ ‬داخل‭ ‬مراكز‭ ‬المفاهيم‭ ‬والعقائد،‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬الألعاب‭ ‬الحربية‭ ‬إلى‭ ‬برنامج‭ ‬وطني‭ ‬يدمج‭ ‬بين‭ ‬التعليم‭ ‬الأساسي‭ ‬والتدريب‭ ‬المستمر‭ ‬وتطوير‭ ‬العقيدة‭. ‬ويُمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬الفرنسي‭ ‬يعكس‭ ‬دينامية‭ ‬دولية‭ ‬واسعة‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬بنية‭ ‬التعليم‭ ‬العسكري،‭ ‬لا‭ ‬عبر‭ ‬إضافة‭ ‬أدوات‭ ‬جديدة،‭ ‬بل‭ ‬عبر‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬‮«‬ما‭ ‬يعنيه‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬ضابطًا‭ ‬في‭ ‬الجيش‮»‬‭.‬

ولقد‭ ‬أثبتت‭ ‬الألعاب‭ ‬الحربية‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي،‭ ‬وترسيخ‭ ‬التحليل‭ ‬الجماعي،‭ ‬وتنمية‭ ‬حسّ‭ ‬المبادرة‭ ‬لدى‭ ‬الضباط‭ ‬والجنود،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬تبنّيها‭ ‬خطوة‭ ‬ضرورية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬البيئات‭ ‬العملياتية‭ ‬التي‭ ‬تتجه‭ ‬باستمرار‭ ‬نحو‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬التعقيد‭ ‬والتشابك‭.‬

الأسس‭ ‬البيداغوجية‭ ‬للألعاب‭ ‬الحربية‭ ‬ودورها‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬العقل‭ ‬العملياتي

تعتمد‭ ‬الألعاب‭ ‬الحربية‭ ‬على‭ ‬فلسفة‭ ‬تربوية‭ ‬معقدة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬‮«‬المعقولية‭ ‬التعليمية‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬خلق‭ ‬بيئة‭ ‬شبيهة‭ ‬بالواقع‭ ‬دون‭ ‬السقوط‭ ‬في‭ ‬فخ‭ ‬الواقعية‭ ‬المفرطة‭. ‬فالتعليم‭ ‬عبر‭ ‬اللعبة‭ ‬هو‭ ‬عملية‭ ‬موازنة‭ ‬دقيقة‭ ‬بين‭ ‬التمثيل‭ ‬والتجريد،‭ ‬وبين‭ ‬الواقع‭ ‬والنموذج‭ ‬النظري‭. ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬المحاكاة‭ ‬التقنية‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬نسخ‭ ‬الواقع،‭ ‬فإن‭ ‬الألعاب‭ ‬الحربية‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬تدريب‭ ‬العقل‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬المعطيات‭ ‬الأساسية‭ ‬دون‭ ‬التشتت‭ ‬في‭ ‬التفاصيل‭ ‬الثانوية‭.‬

ترتكز‭ ‬القيمة‭ ‬المعرفية‭ ‬للألعاب‭ ‬الحربية‭ ‬على‭ ‬عنصرين‭ ‬أساسيين‭: ‬التفاعل‭ ‬والخطأ‭. ‬الضابط‭ ‬يتعلم‭ ‬حين‭ ‬يتفاعل‭ ‬مع‭ ‬بيئة‭ ‬صراعية‭ ‬ذات‭ ‬قوانين‭ ‬واضحة‭ ‬ومتحولات‭ ‬غير‭ ‬مستقرة،‭ ‬وحين‭ ‬يختبر‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬نقص‭ ‬المعلومات‭ ‬وضغط‭ ‬الزمن‭. ‬لكنه‭ ‬يتعلم‭ ‬أكثر‭ ‬حين‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬الخطأ،‭ ‬لأن‭ ‬الخطأ‭ ‬في‭ ‬اللعبة‭ ‬ليس‭ ‬فشلًا،‭ ‬بل‭ ‬مدخلًا‭ ‬إلى‭ ‬المعرفة‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تأتي‭ ‬أهمية‭ ‬جلسة‭ ‬‮«‬التقييم‭ ‬الختامي‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تحوّل‭ ‬تجربة‭ ‬اللعب‭ ‬من‭ ‬نشاط‭ ‬شيّق‭ ‬إلى‭ ‬تجربة‭ ‬تعليمية‭ ‬معمّقة‭. ‬ففي‭ ‬هذه‭ ‬الجلسة‭ ‬يكشف‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬التدريب‭ ‬للمشاركين‭ ‬القرارات‭ ‬التي‭ ‬اتخذوها‭ ‬دون‭ ‬وعي،‭ ‬ويحول‭ ‬حدسهم‭ ‬العملياتي‭ ‬إلى‭ ‬معرفة‭ ‬صريحة‭ ‬قابلة‭ ‬للنقل‭.‬

ويُعد‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬التدريب‭ ‬عنصرًا‭ ‬مركزيًا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭. ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يدير‭ ‬اللعبة‭ ‬من‭ ‬الداخل‭ ‬ولا‭ ‬يفرض‭ ‬قرارات‭ ‬على‭ ‬المشاركين،‭ ‬لكنه‭ ‬يضمن‭ ‬انسجام‭ ‬مجرياتها‭ ‬مع‭ ‬الهدف‭ ‬التربوي،‭ ‬ويحافظ‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬تعقيد‭ ‬مناسب،‭ ‬ويحوّل‭ ‬النقاشات‭ ‬العفوية‭ ‬إلى‭ ‬بنية‭ ‬معرفية‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬إعداده‭ ‬بحيث‭ ‬يمتلك‭ ‬خبرة‭ ‬عملياتية‭ ‬ومعرفية‭ ‬تمكّنه‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬‮«‬الحوار‭ ‬العملياتي‮»‬‭ ‬داخل‭ ‬اللعبة‭ ‬بكفاءة‭ ‬وفاعلية‭.‬

إن‭ ‬الألعاب‭ ‬الحربية‭ ‬لا‭ ‬تنتج‭ ‬مجرد‭ ‬معرفة؛‭ ‬إنها‭ ‬تنتج‭ ‬‮«‬شكلًا‭ ‬من‭ ‬التفكير‮»‬‭. ‬فهي‭ ‬تعلم‭ ‬الضابط‭ ‬كيف‭ ‬يدير‭ ‬الضبابية،‭ ‬وكيف‭ ‬يبني‭ ‬قراره‭ ‬رغم‭ ‬المعلومات‭ ‬المتناقضة،‭ ‬وكيف‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬الانهيارات‭ ‬المفاجئة‭ ‬في‭ ‬الخطة،‭ ‬وكيف‭ ‬يلتقط‭ ‬الإشارات‭ ‬الضعيفة‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬مشوشة‭. ‬وهذه‭ ‬القدرة‭ ‬الذهنية‭ ‬تمثل‭ ‬جوهر‭ ‬التفكير‭ ‬العملياتي‭ ‬الحديث‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اكتسابه‭ ‬عبر‭ ‬التعليم‭ ‬التقليدي‭ ‬بسهولة‭ ‬أو‭ ‬بسرعة‭.‬

إن‭ ‬القيمة‭ ‬التدريبية‭ ‬والتربوية‭ ‬للألعاب‭ ‬الحربية‭ ‬ترتبط‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬خلق‭ ‬بيئة‭ ‬تعلّم‭ ‬تفاعلية‭ ‬تسمح‭ ‬للضابط‭ ‬والجنود‭ ‬بمواجهة‭ ‬التعقيد‭ ‬بصورة‭ ‬تدريجية،‭ ‬واختبار‭ ‬الحدس‭ ‬العملياتي‭ ‬ضمن‭ ‬نموذج‭ ‬خالٍ‭ ‬من‭ ‬المخاطر‭. ‬فاللعب‭ ‬بحد‭ ‬ذاته‭ ‬ليس‭ ‬هدفًا،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬وسيلة‭ ‬لترسيخ‭ ‬التفكير‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬وصقل‭ ‬مهارات‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تأتي‭ ‬أهمية‭ ‬تصميم‭ ‬سيناريوهات‭ ‬قابلة‭ ‬للتكيّف‭ ‬مع‭ ‬أهداف‭ ‬التدريب،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ضمان‭ ‬رسوخ‭ ‬التعلّم‭ ‬عبر‭ ‬إدارة‭ ‬التفاعل‭ ‬البشري‭ ‬وتحويل‭ ‬الخبرة‭ ‬الحدسية‭ ‬إلى‭ ‬معرفة‭ ‬ممنهجة‭.‬

تطبيقات‭ ‬الألعاب‭ ‬الحربية‭ ‬في‭ ‬الأفرع‭ ‬العسكرية‭ ‬المختلفة

تتميز‭ ‬الألعاب‭ ‬الحربية‭ ‬بمرونة‭ ‬عالية‭ ‬تسمح‭ ‬بتكييفها‭ ‬مع‭ ‬خصوصيات‭ ‬كل‭ ‬فرع‭ ‬عسكري‭. ‬وتُظهر‭ ‬التجارب‭ ‬العالمية‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬مجال‭ ‬وجد‭ ‬في‭ ‬الألعاب‭ ‬الحربية‭ ‬وسيلة‭ ‬لتطوير‭ ‬جوانب‭ ‬محددة‭ ‬من‭ ‬مهارات‭ ‬ضباطه‭.‬

في‭ ‬القوات‭ ‬البرية،‭ ‬تستخدم‭ ‬الجيوش‭ ‬العالمية‭ ‬للألعاب‭ ‬الحربية‭ ‬لتطوير‭ ‬التفكير‭ ‬التكتيكي‭ ‬واللوجستي‭ ‬وإدارة‭ ‬المناورة‭. ‬فالمعركة‭ ‬البرية‭ ‬بطبعها‭ ‬معقّدة‭ ‬وسريعة‭ ‬التغير،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬استيعاب‭ ‬مفارقاتها‭ ‬إلا‭ ‬عبر‭ ‬اختبار‭ ‬قرارات‭ ‬تكتيكية‭ ‬داخل‭ ‬بيئة‭ ‬تفاعلية‭. ‬وقد‭ ‬مثّل‭ ‬النموذج‭ ‬الفرنسي‭ ‬‮«‬LOGOPS‮»‬‭ ‬مثالًا‭ ‬مهمًا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬حيث‭ ‬وفر‭ ‬نموذجاً‭ ‬لوجستياً‭ ‬يضع‭ ‬الضابط‭ ‬أمام‭ ‬قرارات‭ ‬حرجة‭ ‬تتعلق‭ ‬بتوزيع‭ ‬الموارد‭ ‬والتعامل‭ ‬مع‭ ‬نقص‭ ‬الإمدادات‭. ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬النموذج،‭ ‬اكتسب‭ ‬المتعلمون‭ ‬قدرة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬المبادئ‭ ‬النظرية‭ ‬التي‭ ‬يصعب‭ ‬إدراكها‭ ‬في‭ ‬قاعة‭ ‬الدرس‭.‬

في‭ ‬القوات‭ ‬الجوية‭ ‬والفضائية،‭ ‬سمحت‭ ‬الألعاب‭ ‬الحربية‭ ‬بإدارة‭ ‬سيناريوهات‭ ‬معقّدة‭ ‬تتعلق‭ ‬بالسيطرة‭ ‬الجوية،‭ ‬والتخطيط‭ ‬للمهام،‭ ‬واستيعاب‭ ‬التهديدات‭ ‬المتعددة‭. ‬وتعد‭ ‬لعبة‭ ‬‮«‬Overlord Crisis‮»‬‭ ‬مثالًا‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬إذ‭ ‬توفر‭ ‬للمتعلم‭ ‬بيئة‭ ‬يتعامل‭ ‬فيها‭ ‬مع‭ ‬عمليات‭ ‬جوية‭ ‬متعددة‭ ‬المستويات،‭ ‬ويقود‭ ‬فيها‭ ‬وحدات‭ ‬مختلفة‭ ‬ضمن‭ ‬إطار‭ ‬عملياتي‭ ‬جماعي‭. ‬ويتميز‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المؤسسات‭ ‬الفرنسية‭ ‬بإدماج‭ ‬الطلبة‭ ‬في‭ ‬تصميم‭ ‬اللعبة‭ ‬نفسها،‭ ‬ما‭ ‬يجعلهم‭ ‬يفهمون‭ ‬المنطق‭ ‬الداخلي‭ ‬للقرار‭ ‬الجوي،‭ ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬نتائجه‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬البحري،‭ ‬فتعتمد‭ ‬الألعاب‭ ‬الحربية‭ ‬لتجسيد‭ ‬طبيعة‭ ‬العمليات‭ ‬ذات‭ ‬المدى‭ ‬الطويل،‭ ‬حيث‭ ‬يجد‭ ‬القائد‭ ‬نفسه‭ ‬مضطرًا‭ ‬لاتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬حاسمة‭ ‬رغم‭ ‬محدودية‭ ‬المعلومات‭ ‬وضمن‭ ‬بيئة‭ ‬جغرافية‭ ‬معقدة‭. ‬وقد‭ ‬أثبتت‭ ‬الألعاب‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬سيناريوهات‭ ‬مستوحاة‭ ‬من‭ ‬حرب‭ ‬الفوكلاند‭ ‬فعاليتها‭ ‬في‭ ‬تدريب‭ ‬الضباط‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬‮«‬ضباب‭ ‬الحرب‭ ‬البحرية‮»‬،‭ ‬وفهم‭ ‬التوتر‭ ‬الدائم‭ ‬بين‭ ‬العزلة‭ ‬المعلوماتية‭ ‬والحاجة‭ ‬إلى‭ ‬التنسيق‭ ‬في‭ ‬عمليات‭ ‬الأسطول‭.‬

وتبرز‭ ‬الخدمات‭ ‬الطبية‭ ‬العسكرية‭ ‬كأحد‭ ‬المجالات‭ ‬التي‭ ‬استفادت‭ ‬بقوة‭ ‬من‭ ‬الألعاب‭ ‬الحربية‭. ‬فإدارة‭ ‬الإصابات‭ ‬الجماعية،‭ ‬وتوزيع‭ ‬الموارد،‭ ‬وتنظيم‭ ‬عمليات‭ ‬الإخلاء،‭ ‬والتعامل‭ ‬مع‭ ‬المفاجآت،‭ ‬كلها‭ ‬عناصر‭ ‬تُحاكيها‭ ‬الألعاب‭ ‬الطبية‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬JESSA‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬أثبتت‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تدريب‭ ‬الأطقم‭ ‬الطبية‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬بيئات‭ ‬عالية‭ ‬التوتر‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬قوات‭ ‬الأمن‭ ‬الداخلي،‭ ‬فقد‭ ‬سمحت‭ ‬الألعاب‭ ‬الحربية‭ ‬بإعادة‭ ‬تمثيل‭ ‬سيناريوهات‭ ‬الاضطرابات‭ ‬المدنية،‭ ‬والعنف‭ ‬الجماعي،‭ ‬وإدارة‭ ‬الأزمات‭. ‬وتُعد‭ ‬هذه‭ ‬المقاربة‭ ‬مفيدة‭ ‬لأنها‭ ‬توفر‭ ‬بيئة‭ ‬آمنة‭ ‬لاختبار‭ ‬استراتيجيات‭ ‬التدخل،‭ ‬وتساعد‭ ‬في‭ ‬تقييم‭ ‬جاهزية‭ ‬القادة‭ ‬وتشخيص‭ ‬الأخطاء‭.‬

ولا‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬نجاح‭ ‬الألعاب‭ ‬الحربية‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الأفرع‭ ‬مرتبط‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬عكس‭ ‬خصوصيات‭ ‬كل‭ ‬مجال،‭ ‬كما‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬استخدامها‭ ‬في‭ ‬تدريب‭ ‬القوات‭ ‬الجوية‭ ‬الفرنسية‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬حيث‭ ‬أسهمت‭ ‬ديناميكية‭ ‬الابتكار‭ ‬التربوي‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬هذه‭ ‬الألعاب‭ ‬إلى‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬منظومة‭ ‬تعليمية‭ ‬متكاملة‭ ‬ومقررات‭ ‬تدريبية‭ ‬مهيكلة‭ ‬تُدمج‭ ‬فيها‭ ‬الأبعاد‭ ‬التاريخية‭ ‬والسياسية‭ ‬والعملياتية‭. ‬وقد‭ ‬سمح‭ ‬ذلك‭ ‬بتراكم‭ ‬خبرات‭ ‬تخصصية،‭ ‬ودعم‭ ‬مقاربة‭ ‬متعددة‭ ‬السيناريوهات‭ ‬تعزّز‭ ‬استقلالية‭ ‬المتعلم‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭.‬

البعد‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬للألعاب‭ ‬الحربية‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬العقيدة‭ ‬العسكرية

تتجاوز‭ ‬التطبيقات‭ ‬المعرفية‭ ‬للألعاب‭ ‬الحربية‭ ‬حدود‭ ‬التدريب‭ ‬الفردي‭ ‬لتشمل‭ ‬تطوير‭ ‬العقائد‭ ‬العسكرية‭ ‬نفسها‭. ‬كما‭ ‬تستخدم‭ ‬الجيوش‭ ‬الألعاب‭ ‬الحربية‭ ‬اليوم‭ ‬كأداة‭ ‬لاستشراف‭ ‬المستقبل،‭ ‬ولتحليل‭ ‬تفاعل‭ ‬الأنظمة‭ ‬العسكرية‭ ‬المعقدة،‭ ‬ولتقييم‭ ‬جدوى‭ ‬تقنيات‭ ‬جديدة،‭ ‬ولتحديد‭ ‬نقاط‭ ‬القوة‭ ‬والضعف‭ ‬في‭ ‬الخطط‭ ‬والمؤسسات‭.‬

وقد‭ ‬استخدمت‭ ‬الجيوش‭ ‬الأمريكية‭ ‬والبريطانية‭ ‬الألعاب‭ ‬الحربية‭ ‬خلال‭ ‬العقدين‭ ‬الماضيين‭ ‬في‭ ‬تحليل‭ ‬مواجهة‭ ‬خصومهما،‭ ‬وتقييم‭ ‬سيناريوهات‭ ‬محتملة‭ ‬في‭ ‬المحيطين‭ ‬الهندي‭ ‬والهادئ‭ ‬أو‭ ‬أوروبا‭ ‬الشرقية‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬استعانت‭ ‬عدة‭ ‬دول‭ ‬آسيوية‭ ‬وشرق‭ ‬أوسطية‭ ‬بالألعاب‭ ‬الحربية‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬استراتيجيات‭ ‬الدفاع‭ ‬السيبراني،‭ ‬وتقييم‭ ‬سيناريوهات‭ ‬الهجمات‭ ‬عبر‭ ‬طائرات‭ ‬مسيرة‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬شبكات‭ ‬التهديد‭ ‬غير‭ ‬النظامية‭.‬

ويمثل‭ ‬دمج‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬في‭ ‬الألعاب‭ ‬الحربية‭ ‬خطوة‭ ‬ثورية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭. ‬فالألعاب‭ ‬الحديثة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬نماذج‭ ‬جامدة،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬بيئات‭ ‬ديناميكية‭ ‬تتفاعل‭ ‬مع‭ ‬قرارات‭ ‬اللاعبين،‭ ‬وتنتج‭ ‬بدائل‭ ‬جديدة،‭ ‬وتُحاكي‭ ‬سلوك‭ ‬الخصم‭ ‬وفق‭ ‬خوارزميات‭ ‬متقدمة‭. ‬وهذا‭ ‬التطور‭ ‬يسمح‭ ‬للجيوش‭ ‬باختبار‭ ‬خططها‭ ‬أمام‭ ‬خصم‭ ‬افتراضي‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬المضادة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يعزز‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬استباق‭ ‬الأخطار‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬أصبحت‭ ‬الألعاب‭ ‬الحربية‭ ‬أداةً‭ ‬مركزية‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬العقائد،‭ ‬لما‭ ‬تمتلكه‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬فتح‭ ‬نقاشات‭ ‬جماعية‭ ‬حول‭ ‬الخيارات‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬وأثر‭ ‬القرارات،‭ ‬وتفاعل‭ ‬مختلف‭ ‬الأبعاد‭ ‬العملياتية‭. ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تُعدّ‭ ‬مجرد‭ ‬وسائل‭ ‬تدريب،‭ ‬بل‭ ‬أدوات‭ ‬بحثية‭ ‬تتيح‭ ‬للمؤسسات‭ ‬العسكرية‭ ‬اختبار‭ ‬الفرضيات‭ ‬ومقارنة‭ ‬بدائل‭ ‬العمل‭ ‬ضمن‭ ‬بيئات‭ ‬محاكية‭ ‬للواقع‭. ‬وتسهم‭ ‬السيناريوهات‭ ‬الواقعية‭ ‬التي‭ ‬تطرحها‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬ثقافة‭ ‬تحليلية‭ ‬مشتركة‭ ‬بين‭ ‬الضباط،‭ ‬بما‭ ‬يسهّل‭ ‬تطوير‭ ‬مفاهيم‭ ‬تتلاءم‭ ‬مع‭ ‬متطلبات‭ ‬العمليات‭ ‬المشتركة،‭ ‬ويتيح‭ ‬فهمًا‭ ‬أعمق‭ ‬للتحديات‭ ‬الناشئة‭ ‬في‭ ‬الفضاءات‭ ‬متعددة‭ ‬المجالات‭.‬

تحديات‭ ‬دمج‭ ‬الألعاب‭ ‬الحربية‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬العسكري

على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬القيمة‭ ‬العالية‭ ‬المضافة‭ ‬للألعاب‭ ‬الحربية،‭ ‬فإن‭ ‬إدماجها‭ ‬ليس‭ ‬عملية‭ ‬سهلة‭. ‬فالعديد‭ ‬من‭ ‬الجيوش‭ ‬تواجه‭ ‬صعوبات‭ ‬تتعلق‭ ‬بنقص‭ ‬المتخصصين،‭ ‬وغياب‭ ‬إطار‭ ‬وطني‭ ‬موحد‭ ‬للألعاب‭ ‬الحربية،‭ ‬واعتماد‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المبادرات‭ ‬على‭ ‬جهود‭ ‬فردية‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬الاستدامة‭. ‬كما‭ ‬تواجه‭ ‬بعض‭ ‬الجيوش‭ ‬مشكلة‭ ‬‮«‬التعلم‭ ‬السيئ‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬اكتساب‭ ‬الضباط‭ ‬عادات‭ ‬أو‭ ‬تصورات‭ ‬عملياتية‭ ‬غير‭ ‬دقيقة‭ ‬بسبب‭ ‬ألعاب‭ ‬ضعيفة‭ ‬التصميم‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مناسبة‭ ‬للسياق‭. ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬تتفاوت‭ ‬قدرة‭ ‬الأفرع‭ ‬العسكرية‭ ‬على‭ ‬تبني‭ ‬الألعاب‭ ‬الحربية‭ ‬باختلاف‭ ‬خبراتها‭ ‬السابقة‭ ‬وإمكاناتها‭ ‬التقنية‭ ‬وطبيعة‭ ‬مهامها‭. ‬ولذلك‭ ‬تحتاج‭ ‬الجيوش‭ ‬إلى‭ ‬بنية‭ ‬مؤسساتية‭ ‬متماسكة‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬الألعاب‭ ‬الحربية‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬منظومة‭ ‬التعليم‭ ‬العسكري،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬أداة‭ ‬إضافية‭. ‬وقد‭ ‬أظهرت‭ ‬التجربة‭ ‬الفرنسية‭ ‬أن‭ ‬وجود‭ ‬وحدة‭ ‬مركزية‭ ‬معنية‭ ‬بالألعاب‭ ‬الحربية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬التعاون‭ ‬الوثيق‭ ‬بين‭ ‬المدارس‭ ‬العسكرية‭ ‬والتكامل‭ ‬مع‭ ‬مراكز‭ ‬التفكير،‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬دينامية‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬التكوين‭ ‬العسكري،‭ ‬شريطة‭ ‬إنشاء‭ ‬بنية‭ ‬تنظيمية‭ ‬تدعم‭ ‬تطوير‭ ‬الألعاب،‭ ‬وتوفر‭ ‬الخبرات‭ ‬التقنية‭ ‬والتعليمية،‭ ‬وتوحد‭ ‬الممارسات‭ ‬عبر‭ ‬مختلف‭ ‬الأفرع‭.‬

مستقبل‭ ‬الألعاب‭ ‬الحربية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التحولات‭ ‬التكنولوجية‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي

يتجه‭ ‬العالم‭ ‬نحو‭ ‬موجة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬التطوير‭ ‬في‭ ‬الألعاب‭ ‬الحربية‭. ‬فالتقنيات‭ ‬الحديثة‭ ‬مثل‭ ‬الواقع‭ ‬الافتراضي،‭ ‬والواقع‭ ‬المعزز،‭ ‬والمحاكاة‭ ‬ثلاثية‭ ‬الأبعاد،‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬ستجعل‭ ‬الألعاب‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬تمثيل‭ ‬البيئة‭ ‬العملياتية،‭ ‬وأكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬تحليل‭ ‬أداء‭ ‬الضابط‭ ‬في‭ ‬الزمن‭ ‬الحقيقي‭. ‬ستتحول‭ ‬الألعاب‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬تدريب‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬مدربين‭ ‬أذكياء‮»‬،‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬مستوى‭ ‬اللاعب،‭ ‬واقتراح‭ ‬سيناريوهات‭ ‬إضافية،‭ ‬وتحديد‭ ‬نقاط‭ ‬الضعف‭. ‬كما‭ ‬ستسمح‭ ‬هذه‭ ‬التطورات‭ ‬بتفعيل‭ ‬مبدأ‭ ‬بناء‭ ‬مسار‭ ‬تعلّم‭ ‬شخصي‭ ‬لكل‭ ‬ضابط‭ ‬اعتمادًا‭ ‬على‭ ‬بيانات‭ ‬أدائه‭ ‬وخصائصه‭ ‬القيادية‭. ‬وستغدو‭ ‬الألعاب‭ ‬الحربية‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬منظومة‭ ‬متكاملة‭ ‬تضم‭ ‬التدريب‭ ‬والتقييم‭ ‬والتطوير‭ ‬المهني‭ ‬وإعادة‭ ‬التأهيل‭ ‬العملياتي،‭ ‬بما‭ ‬يعكس‭ ‬التحول‭ ‬الأكبر‭ ‬نحو‭ ‬‮«‬الجيش‭ ‬الذكي‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يرتكز‭ ‬على‭ ‬توظيف‭ ‬البيانات‭ ‬والتحليل‭ ‬المستمر‭ ‬في‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭ ‬وتعزيز‭ ‬الجاهزية‭.‬

خلاصة‭ ‬الأمر‭ ‬أنّ‭ ‬مستقبل‭ ‬الألعاب‭ ‬الحربية‭ ‬سيظل‭ ‬مرهونًا‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬الاندماج‭ ‬العميق‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬للجيوش،‭ ‬بحيث‭ ‬تتجاوز‭ ‬دورها‭ ‬التقليدي‭ ‬كأداة‭ ‬تدريبية‭ ‬لتصبح‭ ‬ركيزة‭ ‬من‭ ‬ركائز‭ ‬التحليل‭ ‬العملياتي‭ ‬وصياغة‭ ‬القرار‭. ‬ويتوقع‭ ‬أن‭ ‬يشهد‭ ‬مجال‭ ‬الألعاب‭ ‬الحربية‭ ‬ـ‭ ‬توسعًا‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬‮«‬العمليات‭ ‬متعددة‭ ‬المجالات‮»‬،‭ ‬بما‭ ‬يتطلب‭ ‬نماذج‭ ‬محاكاة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تمثيل‭ ‬التفاعلات‭ ‬المعقدة‭ ‬بين‭ ‬البر‭ ‬والبحر‭ ‬والجو‭ ‬والفضاء‭ ‬والسيبراني‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭. ‬وإن‭ ‬تعزيز‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬يستدعي‭ ‬دعمًا‭ ‬مؤسسيًا‭ ‬متماسكًا،‭ ‬وتطوير‭ ‬خبرات‭ ‬متقدمة‭ ‬في‭ ‬التصميم‭ ‬والتقييم،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬منصات‭ ‬مشتركة‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬الأفرع‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬جاهزية‭ ‬الألعاب‭ ‬لمواكبة‭ ‬تحديات‭ ‬المستقبل‭ ‬المتسارعة‭ ‬والمتشابكة‭.‬

وفي‭ ‬الختام‭ ‬أصبحت‭ ‬الألعاب‭ ‬الحربية‭ ‬اليوم‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬المسارات‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬عليها‭ ‬كبرى‭ ‬الجيوش‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬لبناء‭ ‬عقلية‭ ‬استراتيجية‭ ‬لدى‭ ‬قادتها‭ ‬وضباطها‭ ‬وجنودها‭. ‬فقد‭ ‬تحولت‭ ‬اللعبة‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬محاكاة‭ ‬إلى‭ ‬فلسفة‭ ‬تعليمية‭ ‬متكاملة،‭ ‬ومن‭ ‬تقنية‭ ‬تدريبية‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬لإعادة‭ ‬هندسة‭ ‬المعرفة‭ ‬العسكرية‭. ‬وفي‭ ‬عالم‭ ‬يزداد‭ ‬تعقيدًا،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بالتعليم‭ ‬النظري‭ ‬خيارًا‭ ‬ممكنًا،‭ ‬إذ‭ ‬يحتاج‭ ‬القائد‭ ‬الحديث‭ ‬إلى‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التجريب‭ ‬والمراجعة‭ ‬وإعادة‭ ‬بناء‭ ‬الفهم‭ ‬العملياتي‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬الممارسة‭.  ‬وقد‭ ‬أظهرت‭ ‬التجارب‭ ‬العالمية،‭ ‬ومن‭ ‬بينها‭ ‬التجربة‭ ‬الفرنسية،‭ ‬أن‭ ‬الألعاب‭ ‬الحربية‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬وسيلة‭ ‬تعليمية،‭ ‬بل‭ ‬مختبر‭ ‬للاستراتيجية،‭ ‬ومسرح‭ ‬لأخطاء‭ ‬بلا‭ ‬تكلفة،‭ ‬ومنصة‭ ‬لإعادة‭ ‬تعريف‭ ‬القرار‭ ‬العسكري‭. ‬إن‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬ليس‭ ‬رفاهية،‭ ‬بل‭ ‬ضرورة‭ ‬لبناء‭ ‬جيل‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬الضباط‭ ‬والجنود‭ ‬يمتلكون‭ ‬المرونة‭ ‬المعرفية،‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬التفكير‭ ‬المعقد،‭ ‬والاستعداد‭ ‬لمواجهة‭ ‬صراعات‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين،‭ ‬وذلك‭ ‬بأقل‭ ‬كلفة‭ ‬ممكنة‭ ‬وبوسيلة‭ ‬تعد‭ ‬من‭ ‬أسرع‭ ‬الطرق‭ ‬وأكثرها‭ ‬فعالية‭.‬

الأستاذ‭ ‬الدكتور‭ ‬وائل‭ ‬صالح
مستشار‭ ‬بمركز‭ ‬تريندز‭ ‬للبحوث‭ ‬والاستشارات‭

Facebook
WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض