تعيش المؤسسة العسكرية العالمية اليوم لحظة تحول غير مسبوقة في تاريخها الحديث، لحظة تتجاوز فيها الحروب نماذجها التقليدية وتدخل في نطاق جديد تُدار فيه العمليات ضمن بيئات معقّدة، متعددة الاتجاهات، شديدة السرعة، ومشحونة بالضبابية المعلوماتية والتهديدات المتزامنة عبر البر والبحر والجو والفضاء والمجال السيبراني.

هذا التحول لا ينعكس فقط على شكل العمليات، بل يفرض إعادة هندسة المعرفة العسكرية نفسها، وإعادة النظر في أدوات التعليم العسكري، وفي كيفية صناعة العسكري القادر على قيادة قواته ضمن عالم لا تتسق فيه المعطيات ولا تستقر فيه قواعد الاشتباك.
وفي ظل هذا التحول، برزت الألعاب الحربية، التي تعود جذورها إلى القرن التاسع عشر، ليس بوصفها تقنية تدريبية فحسب، بل كأداة فلسفية لبناء العقلية العسكرية، وكبيئة معرفية تسمح بتطوير التفكير الاستراتيجي والتكتيكي، وتكريس قدرة الضابط على اتخاذ القرار تحت الضغط، وفهم الأنظمة المعقدة، وإدارة المفارقات العملياتية. ومع تطور علوم المحاكاة والحوسبة والذكاء الاصطناعي، أصبحت الألعاب الحربية اليوم مختبرًا فكريًا يمكّن المؤسسة العسكرية من اختبار الفرضيات، واستشراف التهديدات، وتجريب التكتيكات والعقائد قبل تطبيقها في الميدان.
وتهدف هذه الدراسة إلى تقديم إطار تحليلي شامل لدور الألعاب الحربية في تكوين العسكريين ضمن الجيوش الحديثة. وهي تستند إلى مقاربة عالمية عامة، مع توظيف التجربة الفرنسية كنموذج تطبيقي دالّ على طبيعة التحول المؤسساتي الذي يشهده هذا المجال. وتعرض الدراسة القيمة التربوية للألعاب الحربية، وخصائصها البيداغوجية، وتطبيقاتها في مختلف الأفرع العسكرية، والتحديات البنيوية لدمجها، وآفاق تطورها المستقبلي، وصولًا إلى استخلاص دورها في بناء ثقافة عسكرية جديدة تتلاءم مع متطلبات القرن الحادي والعشرين.
التحوّل البنيوي في التعليم العسكري وتأثيره على صعود الألعاب الحربية
عاشت المؤسسات العسكرية طوال القرن العشرين ضمن بنية معرفية تعتمد أساسًا على التلقين، والمحاضرات، ونقل الخبرات عبر نموذج «المعلم والمتعلم». وقد خدم هذا النموذج الجيوش التقليدية، لكنه لم يعد قادرًا بمفرده على تلبية متطلبات عصر تتقاطع فيه المجالات، وتتسارع فيه العمليات، وتتفكك فيه اليقينيات. وقد دفع هذا الواقع المؤسسات التعليمية العسكرية في دول كثيرة إلى إعادة التفكير في النموذج التعليمي: من نقل المعرفة إلى إنتاج القدرة على التفكير.
ومع دخول الجيوش عصر «العمليات متعددة المجالات»، أصبح الضابط الحديث مطالبًا بأن يدمج بين قدراته الذهنية، ومهاراته التقنية، وخبرته العملية. وهي مهارات لا يمكن اكتسابها عبر الاستماع إلى الدروس، بل تحتاج إلى خبرة تفاعلية تسمح للمتعلم بالوقوع في الخطأ، وتحليل تبعاته، وإعادة بناء فهمه للموقف العملياتي.
وقد شكّلت التجربة الفرنسية مثالًا على هذا التحول. فبدءًا من عام 2018، أعادت وزارة الجيوش توجيه المناهج العسكرية نحو تبني الألعاب الحربية كأداة مركزية داخل المدارس العسكرية، بالتوازي مع مبادرات مماثلة في الجيوش الأمريكية والبريطانية واليابانية. ولم يعد يُنظر إلى الألعاب بوصفها ملحقًا تدريبيًا، بل كجزء من إعادة تشكيل الثقافة العسكرية الفرنسية، وكرافعة لإدخال التفكير التفاعلي في صلب تكوين الضابط. كما ساهم إنشاء وحدات متخصصة في الألعاب الحربية داخل مراكز المفاهيم والعقائد، في تحويل الألعاب الحربية إلى برنامج وطني يدمج بين التعليم الأساسي والتدريب المستمر وتطوير العقيدة. ويُمكن القول إن هذا التحول الفرنسي يعكس دينامية دولية واسعة تسعى إلى إعادة بناء بنية التعليم العسكري، لا عبر إضافة أدوات جديدة، بل عبر إعادة تعريف «ما يعنيه أن تكون ضابطًا في الجيش».
ولقد أثبتت الألعاب الحربية قدرتها على تعزيز التفكير النقدي، وترسيخ التحليل الجماعي، وتنمية حسّ المبادرة لدى الضباط والجنود، الأمر الذي جعل تبنّيها خطوة ضرورية في مواجهة البيئات العملياتية التي تتجه باستمرار نحو مزيد من التعقيد والتشابك.
الأسس البيداغوجية للألعاب الحربية ودورها في تكوين العقل العملياتي
تعتمد الألعاب الحربية على فلسفة تربوية معقدة تقوم على بناء «المعقولية التعليمية»، أي خلق بيئة شبيهة بالواقع دون السقوط في فخ الواقعية المفرطة. فالتعليم عبر اللعبة هو عملية موازنة دقيقة بين التمثيل والتجريد، وبين الواقع والنموذج النظري. وإذا كانت المحاكاة التقنية تهدف إلى نسخ الواقع، فإن الألعاب الحربية تهدف إلى تدريب العقل على إدارة المعطيات الأساسية دون التشتت في التفاصيل الثانوية.
ترتكز القيمة المعرفية للألعاب الحربية على عنصرين أساسيين: التفاعل والخطأ. الضابط يتعلم حين يتفاعل مع بيئة صراعية ذات قوانين واضحة ومتحولات غير مستقرة، وحين يختبر قدرته على اتخاذ القرار في ظل نقص المعلومات وضغط الزمن. لكنه يتعلم أكثر حين يقع في الخطأ، لأن الخطأ في اللعبة ليس فشلًا، بل مدخلًا إلى المعرفة. ومن ثم تأتي أهمية جلسة «التقييم الختامي» التي تحوّل تجربة اللعب من نشاط شيّق إلى تجربة تعليمية معمّقة. ففي هذه الجلسة يكشف القائم على التدريب للمشاركين القرارات التي اتخذوها دون وعي، ويحول حدسهم العملياتي إلى معرفة صريحة قابلة للنقل.
ويُعد القائم على التدريب عنصرًا مركزيًا في هذه العملية. فهو لا يدير اللعبة من الداخل ولا يفرض قرارات على المشاركين، لكنه يضمن انسجام مجرياتها مع الهدف التربوي، ويحافظ على مستوى تعقيد مناسب، ويحوّل النقاشات العفوية إلى بنية معرفية. ومن هنا تبرز أهمية إعداده بحيث يمتلك خبرة عملياتية ومعرفية تمكّنه من إدارة «الحوار العملياتي» داخل اللعبة بكفاءة وفاعلية.
إن الألعاب الحربية لا تنتج مجرد معرفة؛ إنها تنتج «شكلًا من التفكير». فهي تعلم الضابط كيف يدير الضبابية، وكيف يبني قراره رغم المعلومات المتناقضة، وكيف يتعامل مع الانهيارات المفاجئة في الخطة، وكيف يلتقط الإشارات الضعيفة في بيئة مشوشة. وهذه القدرة الذهنية تمثل جوهر التفكير العملياتي الحديث الذي لا يمكن اكتسابه عبر التعليم التقليدي بسهولة أو بسرعة.
إن القيمة التدريبية والتربوية للألعاب الحربية ترتبط في جوهرها بقدرتها على خلق بيئة تعلّم تفاعلية تسمح للضابط والجنود بمواجهة التعقيد بصورة تدريجية، واختبار الحدس العملياتي ضمن نموذج خالٍ من المخاطر. فاللعب بحد ذاته ليس هدفًا، بل هو وسيلة لترسيخ التفكير الاستراتيجي وصقل مهارات اتخاذ القرار. ومن هنا تأتي أهمية تصميم سيناريوهات قابلة للتكيّف مع أهداف التدريب، إضافة إلى ضمان رسوخ التعلّم عبر إدارة التفاعل البشري وتحويل الخبرة الحدسية إلى معرفة ممنهجة.
تطبيقات الألعاب الحربية في الأفرع العسكرية المختلفة
تتميز الألعاب الحربية بمرونة عالية تسمح بتكييفها مع خصوصيات كل فرع عسكري. وتُظهر التجارب العالمية أن كل مجال وجد في الألعاب الحربية وسيلة لتطوير جوانب محددة من مهارات ضباطه.
في القوات البرية، تستخدم الجيوش العالمية للألعاب الحربية لتطوير التفكير التكتيكي واللوجستي وإدارة المناورة. فالمعركة البرية بطبعها معقّدة وسريعة التغير، ولا يمكن استيعاب مفارقاتها إلا عبر اختبار قرارات تكتيكية داخل بيئة تفاعلية. وقد مثّل النموذج الفرنسي «LOGOPS» مثالًا مهمًا في هذا السياق، حيث وفر نموذجاً لوجستياً يضع الضابط أمام قرارات حرجة تتعلق بتوزيع الموارد والتعامل مع نقص الإمدادات. ومن خلال هذا النموذج، اكتسب المتعلمون قدرة أكبر على فهم المبادئ النظرية التي يصعب إدراكها في قاعة الدرس.
في القوات الجوية والفضائية، سمحت الألعاب الحربية بإدارة سيناريوهات معقّدة تتعلق بالسيطرة الجوية، والتخطيط للمهام، واستيعاب التهديدات المتعددة. وتعد لعبة «Overlord Crisis» مثالًا على ذلك، إذ توفر للمتعلم بيئة يتعامل فيها مع عمليات جوية متعددة المستويات، ويقود فيها وحدات مختلفة ضمن إطار عملياتي جماعي. ويتميز هذا المجال في بعض المؤسسات الفرنسية بإدماج الطلبة في تصميم اللعبة نفسها، ما يجعلهم يفهمون المنطق الداخلي للقرار الجوي، وليس فقط نتائجه.
أما في المجال البحري، فتعتمد الألعاب الحربية لتجسيد طبيعة العمليات ذات المدى الطويل، حيث يجد القائد نفسه مضطرًا لاتخاذ قرارات حاسمة رغم محدودية المعلومات وضمن بيئة جغرافية معقدة. وقد أثبتت الألعاب القائمة على سيناريوهات مستوحاة من حرب الفوكلاند فعاليتها في تدريب الضباط على إدارة «ضباب الحرب البحرية»، وفهم التوتر الدائم بين العزلة المعلوماتية والحاجة إلى التنسيق في عمليات الأسطول.
وتبرز الخدمات الطبية العسكرية كأحد المجالات التي استفادت بقوة من الألعاب الحربية. فإدارة الإصابات الجماعية، وتوزيع الموارد، وتنظيم عمليات الإخلاء، والتعامل مع المفاجآت، كلها عناصر تُحاكيها الألعاب الطبية مثل «JESSA»، التي أثبتت قدرتها على تدريب الأطقم الطبية على اتخاذ القرار في بيئات عالية التوتر.
أما في قوات الأمن الداخلي، فقد سمحت الألعاب الحربية بإعادة تمثيل سيناريوهات الاضطرابات المدنية، والعنف الجماعي، وإدارة الأزمات. وتُعد هذه المقاربة مفيدة لأنها توفر بيئة آمنة لاختبار استراتيجيات التدخل، وتساعد في تقييم جاهزية القادة وتشخيص الأخطاء.
ولا شك في أن نجاح الألعاب الحربية في مختلف الأفرع مرتبط بقدرتها على عكس خصوصيات كل مجال، كما يظهر في استخدامها في تدريب القوات الجوية الفرنسية على سبيل المثال، حيث أسهمت ديناميكية الابتكار التربوي في تحويل هذه الألعاب إلى جزء من منظومة تعليمية متكاملة ومقررات تدريبية مهيكلة تُدمج فيها الأبعاد التاريخية والسياسية والعملياتية. وقد سمح ذلك بتراكم خبرات تخصصية، ودعم مقاربة متعددة السيناريوهات تعزّز استقلالية المتعلم وقدرته على التفكير النقدي.
البعد الاستراتيجي للألعاب الحربية في تطوير العقيدة العسكرية
تتجاوز التطبيقات المعرفية للألعاب الحربية حدود التدريب الفردي لتشمل تطوير العقائد العسكرية نفسها. كما تستخدم الجيوش الألعاب الحربية اليوم كأداة لاستشراف المستقبل، ولتحليل تفاعل الأنظمة العسكرية المعقدة، ولتقييم جدوى تقنيات جديدة، ولتحديد نقاط القوة والضعف في الخطط والمؤسسات.
وقد استخدمت الجيوش الأمريكية والبريطانية الألعاب الحربية خلال العقدين الماضيين في تحليل مواجهة خصومهما، وتقييم سيناريوهات محتملة في المحيطين الهندي والهادئ أو أوروبا الشرقية. وفي المقابل، استعانت عدة دول آسيوية وشرق أوسطية بالألعاب الحربية في تطوير استراتيجيات الدفاع السيبراني، وتقييم سيناريوهات الهجمات عبر طائرات مسيرة أو عبر شبكات التهديد غير النظامية.
ويمثل دمج الذكاء الاصطناعي في الألعاب الحربية خطوة ثورية في هذا المجال. فالألعاب الحديثة لم تعد مجرد نماذج جامدة، بل أصبحت بيئات ديناميكية تتفاعل مع قرارات اللاعبين، وتنتج بدائل جديدة، وتُحاكي سلوك الخصم وفق خوارزميات متقدمة. وهذا التطور يسمح للجيوش باختبار خططها أمام خصم افتراضي قادر على بناء الاستراتيجية المضادة، الأمر الذي يعزز القدرة على استباق الأخطار.
في هذا السياق أصبحت الألعاب الحربية أداةً مركزية في تطوير العقائد، لما تمتلكه من قدرة على فتح نقاشات جماعية حول الخيارات الاستراتيجية، وأثر القرارات، وتفاعل مختلف الأبعاد العملياتية. فهي لا تُعدّ مجرد وسائل تدريب، بل أدوات بحثية تتيح للمؤسسات العسكرية اختبار الفرضيات ومقارنة بدائل العمل ضمن بيئات محاكية للواقع. وتسهم السيناريوهات الواقعية التي تطرحها في ترسيخ ثقافة تحليلية مشتركة بين الضباط، بما يسهّل تطوير مفاهيم تتلاءم مع متطلبات العمليات المشتركة، ويتيح فهمًا أعمق للتحديات الناشئة في الفضاءات متعددة المجالات.

تحديات دمج الألعاب الحربية في التعليم العسكري
على الرغم من القيمة العالية المضافة للألعاب الحربية، فإن إدماجها ليس عملية سهلة. فالعديد من الجيوش تواجه صعوبات تتعلق بنقص المتخصصين، وغياب إطار وطني موحد للألعاب الحربية، واعتماد عدد من المبادرات على جهود فردية لا تملك الاستدامة. كما تواجه بعض الجيوش مشكلة «التعلم السيئ»، أي اكتساب الضباط عادات أو تصورات عملياتية غير دقيقة بسبب ألعاب ضعيفة التصميم أو غير مناسبة للسياق. إضافة إلى ذلك، تتفاوت قدرة الأفرع العسكرية على تبني الألعاب الحربية باختلاف خبراتها السابقة وإمكاناتها التقنية وطبيعة مهامها. ولذلك تحتاج الجيوش إلى بنية مؤسساتية متماسكة تجعل من الألعاب الحربية جزءًا من منظومة التعليم العسكري، لا مجرد أداة إضافية. وقد أظهرت التجربة الفرنسية أن وجود وحدة مركزية معنية بالألعاب الحربية، إلى جانب التعاون الوثيق بين المدارس العسكرية والتكامل مع مراكز التفكير، قادر على إنتاج دينامية جديدة في التكوين العسكري، شريطة إنشاء بنية تنظيمية تدعم تطوير الألعاب، وتوفر الخبرات التقنية والتعليمية، وتوحد الممارسات عبر مختلف الأفرع.
مستقبل الألعاب الحربية في ظل التحولات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي
يتجه العالم نحو موجة جديدة من التطوير في الألعاب الحربية. فالتقنيات الحديثة مثل الواقع الافتراضي، والواقع المعزز، والمحاكاة ثلاثية الأبعاد، والذكاء الاصطناعي، ستجعل الألعاب أكثر قدرة على تمثيل البيئة العملياتية، وأكثر قدرة على تحليل أداء الضابط في الزمن الحقيقي. ستتحول الألعاب من أدوات تدريب إلى «مدربين أذكياء»، قادرين على التكيف مع مستوى اللاعب، واقتراح سيناريوهات إضافية، وتحديد نقاط الضعف. كما ستسمح هذه التطورات بتفعيل مبدأ بناء مسار تعلّم شخصي لكل ضابط اعتمادًا على بيانات أدائه وخصائصه القيادية. وستغدو الألعاب الحربية جزءًا من منظومة متكاملة تضم التدريب والتقييم والتطوير المهني وإعادة التأهيل العملياتي، بما يعكس التحول الأكبر نحو «الجيش الذكي» الذي يرتكز على توظيف البيانات والتحليل المستمر في صنع القرار وتعزيز الجاهزية.
خلاصة الأمر أنّ مستقبل الألعاب الحربية سيظل مرهونًا بقدرتها على الاندماج العميق في البنية الاستراتيجية للجيوش، بحيث تتجاوز دورها التقليدي كأداة تدريبية لتصبح ركيزة من ركائز التحليل العملياتي وصياغة القرار. ويتوقع أن يشهد مجال الألعاب الحربية ـ توسعًا يستند إلى منطق «العمليات متعددة المجالات»، بما يتطلب نماذج محاكاة قادرة على تمثيل التفاعلات المعقدة بين البر والبحر والجو والفضاء والسيبراني في آن واحد. وإن تعزيز هذا المسار يستدعي دعمًا مؤسسيًا متماسكًا، وتطوير خبرات متقدمة في التصميم والتقييم، إضافة إلى بناء منصات مشتركة بين مختلف الأفرع بما يضمن جاهزية الألعاب لمواكبة تحديات المستقبل المتسارعة والمتشابكة.
وفي الختام أصبحت الألعاب الحربية اليوم أحد أهم المسارات التي تعتمد عليها كبرى الجيوش في العالم لبناء عقلية استراتيجية لدى قادتها وضباطها وجنودها. فقد تحولت اللعبة من مجرد محاكاة إلى فلسفة تعليمية متكاملة، ومن تقنية تدريبية إلى أداة لإعادة هندسة المعرفة العسكرية. وفي عالم يزداد تعقيدًا، لم يعد الاكتفاء بالتعليم النظري خيارًا ممكنًا، إذ يحتاج القائد الحديث إلى القدرة على التجريب والمراجعة وإعادة بناء الفهم العملياتي في ضوء الممارسة. وقد أظهرت التجارب العالمية، ومن بينها التجربة الفرنسية، أن الألعاب الحربية ليست مجرد وسيلة تعليمية، بل مختبر للاستراتيجية، ومسرح لأخطاء بلا تكلفة، ومنصة لإعادة تعريف القرار العسكري. إن الاستثمار في هذا المجال ليس رفاهية، بل ضرورة لبناء جيل جديد من الضباط والجنود يمتلكون المرونة المعرفية، والقدرة على التفكير المعقد، والاستعداد لمواجهة صراعات القرن الحادي والعشرين، وذلك بأقل كلفة ممكنة وبوسيلة تعد من أسرع الطرق وأكثرها فعالية.
الأستاذ الدكتور وائل صالح
مستشار بمركز تريندز للبحوث والاستشارات










