Largest-Aircraft-Carriers

لماذا تتزايد أهمية حاملات الطائرات في التنافس الأمريكي – الصيني؟

شهد‭ ‬عام‭ ‬2024‭ ‬تطورات‭ ‬لافتة‭ ‬في‭ ‬استعراض‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬الصينية،‭ ‬ففي‭ ‬أكتوبر‭ ‬الماضي،‭ ‬جمعت‭ ‬الصين‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬بين‭ ‬حاملتي‭ ‬الطائرات‭ ‬‮«‬لياونينغ‮»‬‭ ‬و«شاندونغ‮»‬‭ ‬لإجراء‭ ‬مناورات‭ ‬‮«‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬المزدوجة‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬أجرت‭ ‬أحدث‭ ‬حاملة‭ ‬طائرات‭ ‬صينية‭ ‬وأكثرها‭ ‬تقدماً‭ ‬‮«‬فوجيان‮»‬‭ ‬تجارب‭ ‬متتالية‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬ذاته‭. ‬وقد‭ ‬عكست‭ ‬هذه‭ ‬المناورات‭ ‬لحاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬الصينية‭ ‬رسائل‭ ‬ضمنية‭ ‬تتعلق‭ ‬بالقدرات‭ ‬المتنامية‭ ‬لبكين،‭ ‬خاصةً‭ ‬وأنها‭ ‬تمثل‭ ‬الطريقة‭ ‬ذاتها‭ ‬التي‭ ‬تتبعها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬استعراض‭ ‬قدراتها‭ ‬العسكرية‭ ‬البحرية،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬جمع‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يثير‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬التساؤلات‭ ‬بشأن‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تشكله‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬في‭ ‬مستقبل‭ ‬التنافس‭ ‬الأمريكي‭ ‬–‭ ‬الصيني‭.‬

تعد‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬أداة‭ ‬فعالة‭ ‬لإبراز‭ ‬القوة‭ ‬البحرية،‭ ‬حيث‭ ‬تتيح‭ ‬إمكانية‭ ‬نشر‭ ‬القوات‭ ‬الجوية‭ ‬في‭ ‬عرض‭ ‬البحر‭ ‬وبعيداً‭ ‬عن‭ ‬القواعد‭ ‬البرية،‭ ‬خاصةً‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬رفض‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬منح‭ ‬استخدام‭ ‬قواعدها‭ ‬للقيام‭ ‬بعمليات‭ ‬ضد‭ ‬دول‭ ‬أخرى،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يوفر‭ ‬ميزة‭ ‬استراتيجية‭ ‬في‭ ‬النزاعات‭ ‬التي‭ ‬يصعب‭ ‬فيها‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬الأهداف‭ ‬العسكرية‭ ‬المرجوة‭. ‬ويعود‭ ‬تاريخ‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬إلى‭ ‬مطلع‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تجربة‭ ‬وضع‭ ‬الطائرات‭ ‬على‭ ‬متن‭ ‬السفن‭ ‬‮«‬يو‭ ‬إس‭ ‬إس‭ ‬برمنغهام‮»‬‭ ‬عام‭ ‬1910،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬بناء‭ ‬أول‭ ‬حاملة‭ ‬طائرات‭ ‬مخصصة‭ ‬عام‭ ‬1918،‭ ‬وهي‭ ‬البريطانية‭ ‬‮«‬إتش‭ ‬إم‭ ‬إس‭ ‬أرجوس‮»‬،‭ ‬أعقب‭ ‬ذلك‭ ‬قيام‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬واليابان‭ ‬بتطوير‭ ‬تصميماتهما‭ ‬الخاصة‭ ‬بحاملات‭ ‬الطائرات،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬شكل‭ ‬تحولاً‭ ‬جوهرياً‭ ‬في‭ ‬التكتيكات‭ ‬البحرية،‭ ‬وخلال‭ ‬الفترة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الحربين‭ ‬العالميتين‭ ‬الأولى‭ ‬والثانية‭ ‬ازداد‭ ‬الاهتمام‭ ‬بتطوير‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات،‭ ‬بسبب‭ ‬تركيز‭ ‬القوى‭ ‬البحرية‭ ‬على‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬المحيطات‭. ‬ورغم‭ ‬ذلك‭ ‬ظلت‭ ‬البوارج‭ ‬هي‭ ‬المسيطرة‭ ‬على‭ ‬البحر‭ ‬باعتبارها‭ ‬رمزاً‭ ‬لمكانة‭ ‬القوى‭ ‬العظمى‭ ‬في‭ ‬البحار،‭ ‬وذلك‭ ‬حتى‭ ‬معركة‭ ‬ميدواي‭ ‬عام‭ ‬1942،‭ ‬حيث‭ ‬أثبتت‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬فاعليتها‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬البحري،‭ ‬لتتراجع‭ ‬أهمية‭ ‬البوارج‭ ‬بشكل‭ ‬تدريجي،‭ ‬بينما‭ ‬تحولت‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬لأداة‭ ‬رئيسية‭ ‬للقوة‭ ‬البحرية‭.‬

وقد‭ ‬ازدادت‭ ‬أهمية‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬خلال‭ ‬حقبة‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬كعنصر‭ ‬رئيسي‭ ‬للمنافسة‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والاتحاد‭ ‬السوفييتي،‭ ‬فقد‭ ‬استخدمتها‭ ‬واشنطن‭ ‬كأداة‭ ‬رئيسية‭ ‬لاستعراض‭ ‬قوتها‭ ‬والاستجابة‭ ‬للأزمات‭ ‬والصراعات‭ ‬حول‭ ‬العالم،‭ ‬ما‭ ‬سمح‭ ‬لها‭ ‬بالحفاظ‭ ‬على‭ ‬هيمنتها‭ ‬البحرية،‭ ‬بينما‭ ‬ركز‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬استراتيجيات‭ ‬دفاعية‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الغواصات‭ ‬والصواريخ‭ ‬المضادة‭ ‬للسفن‭.‬

وتتباين‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الحجم‭ ‬والإزاحة‭ ‬وعدد‭ ‬المركبات‭ ‬الجوية‭ ‬التي‭ ‬تستطيع‭ ‬حملها‭ ‬ونوع‭ ‬الدفع،‭ ‬فهناك‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬العملاقة‭ ‬التي‭ ‬تصل‭ ‬إزاحتها‭ ‬حتى‭ ‬100‭ ‬ألف‭ ‬طن،‭ ‬وتعمل‭ ‬هذه‭ ‬الحاملات‭ ‬غالباً‭ ‬بالطاقة‭ ‬النووية،‭ ‬مع‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬حمل‭ ‬قرابة‭ ‬90‭ ‬طائرة،‭ ‬وهناك‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬المتوسطة،‭ ‬بقوة‭ ‬إزاحة‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬40‭ ‬ألفاً‭ ‬وحتى‭ ‬70‭ ‬ألف‭ ‬طن،‭ ‬وهي‭ ‬تعمل‭ ‬غالباً‭ ‬بالمحركات‭ ‬التقلدية،‭ ‬بسعة‭ ‬تبلغ‭ ‬30‭-‬50‭ ‬طائرة،‭ ‬بالإضافة‭ ‬لذلك‭ ‬هناك‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬الخفيفة‭ ‬التي‭ ‬تترواح‭ ‬إزاحتها‭ ‬بين‭ ‬20‭ ‬–‭ ‬30‭ ‬ألف‭ ‬طن،‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬حمل‭ ‬10‭-‬20‭ ‬طائرة،‭ ‬مع‭ ‬تركيز‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬تشغيل‭ ‬المروحيات‭ ‬وطائرات‭ ‬الإقلاع‭ ‬العمودي‭.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تمتلك‭ ‬أكبر‭ ‬أسطول‭ ‬من‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬هناك‭ ‬عدة‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬تمتلك‭ ‬حاملات‭ ‬طائرات‭ ‬حديثة،‭ ‬لكنها‭ ‬أقل‭ ‬قدرة‭ ‬من‭ ‬مثيلتها‭ ‬الأمريكية،‭ ‬منها‭ ‬بريطانيا‭ ‬التي‭ ‬تشغل‭ ‬حاملتي‭ ‬طائرات‭ ‬من‭ ‬فئة‭ ‬الملكة‭ ‬إلزابيث،‭ ‬وفرنسا‭ ‬وإيطاليا‭ ‬وروسيا،‭ ‬تمتلك‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬حاملة‭ ‬طائرات‭ ‬واحدة،‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬تمتلك‭ ‬الصين‭ ‬ثلاث‭ ‬حاملات‭ ‬طائرات‭ ‬وتعمل‭ ‬حالياً‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬حاملة‭ ‬جديدة،‭ ‬وربما‭ ‬يعزى‭ ‬العدد‭ ‬المحدود‭ ‬لحاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬لتكلفتها‭ ‬الهائلة‭ ‬وتقنيتها‭ ‬المتقدمة‭.‬

تطور‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬الصينية

تطور‭ ‬برنامج‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬الصيني‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬شراء‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬الأجنبية‭ ‬إلى‭ ‬ابتكار‭ ‬التصاميم‭ ‬الخاصة‭ ‬بها،‭ ‬وبحلول‭ ‬عام‭ ‬2025‭ ‬لم‭ ‬تصبح‭ ‬البحرية‭ ‬الصينية‭ ‬متفوقة‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬البحرية‭ ‬الأمريكية‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬العدد،‭ ‬بل‭ ‬بدأت‭ ‬تتحول‭ ‬بشكل‭ ‬متسارع‭ ‬لتشكل‭ ‬ثاني‭ ‬أكبر‭ ‬مشغل‭ ‬لحاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬فقد‭ ‬اشترت‭ ‬بكين‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1985‭ ‬حاملة‭ ‬الطائرات‭ (‬HMAS Melbourne‭) ‬المخرجة‭ ‬من‭ ‬الخدمة‭ ‬من‭ ‬أستراليا‭ ‬لتستخدمها‭ ‬بكين‭ ‬لأغراض‭ ‬الدراسة،‭ ‬كما‭ ‬اشترت‭ ‬الصين‭ ‬من‭ ‬أوكرانيا‭ ‬حاملة‭ ‬الطائرات‭ ‬السوفييتية‭ ‬السابقة‭ ‬‮«‬فارياج‮»‬،‭ ‬وعمدت‭ ‬إلى‭ ‬تحديثها‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬التسعينات‭ ‬ومطلع‭ ‬الألفية‭ ‬الثانية‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تعيد‭ ‬إدخالها‭ ‬للخدمة‭ ‬كأول‭ ‬حاملة‭ ‬طائرات‭ ‬صينية‭ ‬عاملة‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2012،‭ ‬والتي‭ ‬أطلقت‭ ‬عليها‭ ‬اسم‭ ‬‮«‬لياونينغ‮»‬‭. ‬وفي‭ ‬عام‭ ‬2017‭ ‬أطلقت‭ ‬الصين‭ ‬حاملة‭ ‬الطائرات‭ ‬الثانية‭ ‬لديها‭ (‬شاندونغ‭)‬،‭ ‬والتي‭ ‬دخلت‭ ‬الخدمة‭ ‬عام‭ ‬2019،‭ ‬وكانت‭ ‬أول‭ ‬حاملة‭ ‬طائرات‭ ‬تُبنى‭ ‬محلياً‭. ‬وفي‭ ‬عام‭ ‬2022،‭ ‬أطلقت‭ ‬الصين‭ ‬حاملة‭ ‬طائرات‭ ‬ثالثة،‭ ‬تسمى‭ ‬فوجيان،‭ ‬بإزاحة‭ ‬حمولة‭ ‬كاملة‭ ‬تبلغ‭ ‬85‭ ‬ألف‭ ‬طن‭.‬

بالتالي،‭ ‬شرعت‭ ‬الصين‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬أسطول‭ ‬من‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬مكنها‭ ‬من‭ ‬تحقيق‭ ‬قفزات‭ ‬تكنولوجية‭ ‬بوتيرة‭ ‬متسارعة‭. ‬وقد‭ ‬شكلت‭ ‬أحدث‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬الصينية‭ ‬‮«‬فوجيان‮»‬‭ ‬قفزة‭ ‬نوعية‭ ‬في‭ ‬قدراتها‭ ‬البحرية،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬امتلاكها‭ ‬قدرات‭ ‬وتحسينات‭ ‬هائلة‭ ‬مقارنة‭ ‬بأول‭ ‬حاملتين‭ ‬طائرات‭ ‬صينية‭ ‬‮«‬لياونينغ‮»‬‭ ‬و«شاندونغ‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬تشكل‭ ‬أكبر‭ ‬وأحدث‭ ‬حاملة‭ ‬طائرات‭ ‬في‭ ‬الأسطول‭ ‬الصيني‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬تعد‭ ‬الثانية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬بالمنجنيق‭ ‬الكهرومغناطيسي‭ ‬ونظام‭ (‬CATOBAR‭)‬،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬البحرية‭ ‬الصينية‭ ‬من‭ ‬إطلاق‭ ‬طائرات‭ ‬ثابتة‭ ‬الجناح‭ ‬أكبر‭ ‬حجماً‭ ‬وأثقل‭ ‬وزناً‭ ‬وبحمولات‭ ‬وقود‭ ‬وأسلحة‭ ‬أكبر‭. ‬وتتمتع‭ ‬‮«‬فوجيان‮»‬‭ ‬بجناح‭ ‬جوي‭ ‬أكبر،‭ ‬بالإضافة‭ ‬لسطح‭ ‬طيران‭ ‬مجهز‭ ‬بنظام‭ ‬إطلاق‭ ‬كهرومغناطيسي‭ ‬يشبه‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬الأمريكية،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬منحدر‭ ‬القفز‭ ‬التزلجي‭ ‬المميز‭ ‬في‭ ‬حاملتي‭ ‬الطائرات‭ ‬الصينية‭ ‬‮«‬شاندونغ‮»‬‭ ‬و«لياونينغ‮»‬‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتسق‭ ‬مع‭ ‬مساعي‭ ‬بكين‭ ‬لبناء‭ ‬أسطول‭ ‬بحري‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬والانتشار‭ ‬في‭ ‬المياه‭ ‬العميقة،‭ ‬حيث‭ ‬تشكل‭ ‬هذه‭ ‬الحاملات‭ ‬محدداً‭ ‬رئيسياً‭ ‬في‭ ‬مساعي‭ ‬الصين‭ ‬لإبراز‭ ‬نفوذها‭ ‬كقوة‭ ‬عظمى‭.‬

وقد‭ ‬حققت‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬الثلاث‭ ‬التابعة‭ ‬للبحرية‭ ‬الصينية‭ ‬إنجازات‭ ‬هائلة‭ ‬بدايةً‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬2024،‭ ‬حتى‭ ‬أنها‭ ‬اتخذت‭ ‬خطوات‭ ‬طموحة‭ ‬نحو‭ ‬المياه‭ ‬الزرقاء،‭ ‬حيث‭ ‬بدأت‭ ‬حاملة‭ ‬الطائرات‭ ‬الثالثة‭ ‬‮«‬فوجيان‮»‬‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬التجارب‭ ‬البحرية،‭ ‬منذ‭ ‬مايو‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬ذاته،‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬اختبار‭ ‬أنظمة‭ ‬الدفع‭ ‬والكهرباء‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬القدرات‭. ‬

كذلك،‭ ‬شهد‭ ‬عام‭ ‬2024‭ ‬أول‭ ‬مناورة‭ ‬لمجموعة‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬المزدوجة‭ ‬الصينية‭ ‬في‭ ‬بحر‭ ‬الصين‭ ‬الجنوبي،‭ ‬ففي‭ ‬أكتوبر‭ ‬الماضي،‭ ‬أجرت‭ ‬تشكيلات‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬الصينية‭ ‬‮«‬لياونينغ‮»‬‭ ‬و«شاندونغ‮»‬‭ ‬مناورة‭ ‬مزدوجة،‭ ‬عكست‭ ‬إمكانية‭ ‬مشاركة‭ ‬بعض‭ ‬قوات‭ ‬الدفاع‭ ‬والاستطلاع‭ ‬الخاص‭ ‬بالحاملتين،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬قدرة‭ ‬كل‭ ‬حاملة‭ ‬على‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬أدوار‭ ‬أكثر‭ ‬تحديداً،‭ ‬فبينما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تركز‭ ‬حاملة‭ ‬على‭ ‬الهجوم‭ ‬البري،‭ ‬تستطيع‭ ‬الأخرى‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالدفاع‭ ‬والتفوق‭ ‬الجوي‭.‬

تجدر‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬تعد‭ ‬أدوات‭ ‬مفيدة‭ ‬بالنسبة‭ ‬للصين‭ ‬يمكن‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬معالجة‭ ‬مجموعة‭ ‬متنوعة‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬والأمنية،‭ ‬كما‭ ‬عكست‭ ‬قدرات‭ ‬حاملة‭ ‬الطائرات‭ ‬الصينية‭ ‬الأحدث‭ ‬مساعي‭ ‬بكين‭ ‬لتجاوز‭ ‬الحدود‭ ‬التكنولوجية،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬ونشر‭ ‬قدراتها‭ ‬بشكل‭ ‬أسرع‭ ‬مقارنةً‭ ‬بمنافسيها‭. ‬وتستهدف‭ ‬الصين‭ ‬بناء‭ ‬ونشر‭ ‬ست‭ ‬حاملات‭ ‬طائرات‭ ‬بحلول‭ ‬عام‭ ‬2035،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتماشى‭ ‬مع‭ ‬رؤية‭ ‬الصين‭ ‬الطموحة‭ ‬والتي‭ ‬تسعى‭ ‬لتحديث‭ ‬كامل‭ ‬جيشها‭ ‬بحلول‭ ‬عام‭ ‬2027،‭ ‬والتحول‭ ‬لجيش‭ ‬من‭ ‬الطراز‭ ‬العالمي‭ ‬بحلول‭ ‬عام‭ ‬2049‭.‬

لذا‭ ‬تشكل‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬محدداً‭ ‬حاسماً‭ ‬لتحقيق‭ ‬رؤية‭ ‬بكين،‭ ‬فمن‭ ‬خلالها‭ ‬سيكون‭ ‬بمقدور‭ ‬الصين‭ ‬إبراز‭ ‬قوتها‭ ‬ونفوذها‭ ‬في‭ ‬بحري‭ ‬الصين‭ ‬الشرقي‭ ‬والجنوبي،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬غرب‭ ‬المحيط‭ ‬الهادئ‭ ‬وحتى‭ ‬المحيط‭ ‬الهندي،‭ ‬بل‭ ‬وربما‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬جغرافية‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬سيعزز‭ ‬قدرات‭ ‬الصين‭ ‬كوسيط‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المناطق‭ ‬الواسعة،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬انتشار‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬الصينية‭ ‬لن‭ ‬يعزز‭ ‬فقط‭ ‬قدرات‭ ‬بكين‭ ‬العسكرية،‭ ‬بل‭ ‬سيسهم‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬الدور‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬والإغاثي‭ ‬لها،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬ترسيخ‭ ‬مكانتها‭ ‬كقوة‭ ‬عظمى‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مشاركتها‭ ‬في‭ ‬تأمين‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬للاتصالات‭ ‬والتجارة،‭ ‬والمساعدة‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬إيجابي‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المناطق‭ ‬الحيوية،‭ ‬وتحدي‭ ‬الهيمنة‭ ‬الأمريكية‭ ‬كضامن‭ ‬للتجارة‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المناطق‭.‬

الصين‭ ‬وتحدي‭ ‬هيمنة‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬الأمريكية

على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬التحركات‭ ‬الصينية‭ ‬الحثيثة‭ ‬لتطوير‭ ‬حاملات‭ ‬طائرات‭ ‬حديثة،‭ ‬فإن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬متفوقة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬حيث‭ ‬تمتلك‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬إحدى‭ ‬عشرة‭ ‬حاملة‭ ‬طائرات‭ ‬عملاقة‭ ‬تعمل‭ ‬جميعها‭ ‬بالطاقة‭ ‬النووية‭ (‬10‭ ‬منها‭ ‬من‭ ‬فئة‭ ‬نيميتز‭ ‬وواحدة‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬فئة‭ ‬بوش‭)‬،‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬كقواعد‭ ‬جوية‭ ‬عائمة‭ ‬وإطلاق‭ ‬عشرات‭ ‬الطائرات‭ ‬المقاتلة‭ ‬بسرعة،‭ ‬يصل‭ ‬طول‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬ملاعب‭ ‬كرة‭ ‬قدم،‭ ‬وتعد‭ ‬‮«‬يو‭ ‬إس‭ ‬إس‭ ‬جيرالد‭ ‬ر‭. ‬فورد‮»‬‭ ‬أكبر‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬الأمريكية‭ ‬وأكثرها‭ ‬تطوراً،‭ ‬وهي‭ ‬تستطيع‭ ‬استيعاب‭ ‬75‭ ‬طائرة‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬عمدت‭ ‬الصين‭ ‬إلى‭ ‬دراسة‭ ‬مقومات‭ ‬هيمنة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات،‭ ‬وبدأت‭ ‬تعمل‭ ‬بحماسة‭ ‬لبناء‭ ‬حاملات‭ ‬طائراتها‭ ‬الخاصة،‭ ‬حتى‭ ‬أضحت‭ ‬أحواض‭ ‬بناء‭ ‬السفن‭ ‬الصينية‭ ‬قادرة‭ ‬الآن‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬حاملات‭ ‬طائرات‭ ‬أكثر‭ ‬حداثة،‭ ‬بل‭ ‬وتستعد‭ ‬بكين‭ ‬حالياً‭ ‬لبناء‭ ‬حاملة‭ ‬طائرات‭ ‬رابعة‭ ‬تعمل‭ ‬بالطاقة‭ ‬النووية،‭ ‬فقد‭ ‬أشارت‭ ‬بعض‭ ‬التقارير‭ ‬الغربية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬بكين‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬مفاعل‭ ‬أولي‭ ‬لسفينة‭ ‬حربية‭ ‬كبيرة‭ ‬يعتقد‭ ‬أنه‭ ‬يشكل‭ ‬بداية‭ ‬لاتجاه‭ ‬الصين‭ ‬نحو‭ ‬تطوير‭ ‬حاملات‭ ‬طائرات‭ ‬تعمل‭ ‬بالدفع‭ ‬النووي‭.‬

لكن‭ ‬تواجه‭ ‬الصين‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المخاوف‭ ‬التقنية‭ ‬والعملياتية‭ ‬التي‭ ‬ستحتاج‭ ‬للتغلب‭ ‬عليها‭ ‬حال‭ ‬أرادت‭ ‬التفوق‭ ‬على‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬كقوة‭ ‬عالمية‭ ‬مهيمنة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬بكين‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬لتطوير‭ ‬المقاتلات‭ ‬المناسبة‭ ‬لحاملاتها،‭ ‬ويتوقع‭ ‬أن‭ ‬تسعى‭ ‬الصين‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬المقبلة‭ ‬لإدخال‭ ‬مقاتلتها‭ ‬J-35‭ ‬للعمل‭ ‬انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬حاملة‭ ‬طائراتها،‭ ‬كما‭ ‬ستحتاج‭ ‬الصين‭ ‬لتطوير‭ ‬طائراتها‭ ‬الهجومية‭ ‬الإلكترونية‭ ‬وطائرات‭ ‬الإنذار‭ ‬المبكر‭ ‬المحمولة‭ ‬جواً‭.‬

وقد‭ ‬أجرت‭ ‬إحدى‭ ‬الدراسات‭ ‬الغربية‭ ‬تحليلاً‭ ‬افتراضياً‭ ‬لمواجهة‭ ‬مباشرة‭ ‬بين‭ ‬حاملتي‭ ‬الطائرات‭ ‬الصينية‭ ‬‮«‬شاندونج‮»‬‭ ‬والأمريكية‭ ‬‮«‬يو‭ ‬إس‭ ‬إس‭ ‬نيميتز‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬بالطاقة‭ ‬النووية،‭ ‬ورغم‭ ‬توقع‭ ‬الدارسة‭ ‬أن‭ ‬تتمكن‭ ‬حاملة‭ ‬الطائرات‭ ‬الأمريكية‭ ‬من‭ ‬تدمير‭ ‬نظيرتها‭ ‬الصينية‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مواجهة‭ ‬مستقبلية،‭ ‬خاصةً‭ ‬وأن‭ ‬‮«‬شاندونج‮»‬‭ ‬لا‭ ‬تعد‭ ‬حاملة‭ ‬الطائرات‭ ‬الأكثر‭ ‬تطوراً‭ ‬التي‭ ‬تمتلكها‭ ‬بكين‭ ‬حالياً،‭ ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬توازن‭ ‬القوى‭ ‬الذي‭ ‬بات‭ ‬في‭ ‬صالح‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الإندوباسيفيك‭ ‬سيجعل‭ ‬حاملة‭ ‬الطائرات‭ ‬الأمريكية‭ ‬تحت‭ ‬التهديد‭ ‬الصيني‭ ‬المباشر،‭ ‬إذ‭ ‬يتوقع‭ ‬أن‭ ‬تدور‭ ‬هذه‭ ‬المواجهة‭ ‬المحتملة‭ ‬على‭ ‬مقربة‭ ‬من‭ ‬الشواطئ‭ ‬الصينية،‭ ‬أو‭ ‬المناطق‭ ‬المأهولة‭ ‬بأنظمة‭ ‬منع‭ ‬الوصول‭ ‬والحرمان‭ ‬من‭ ‬الدخول‭ (‬AD‭ / ‬A2‭). ‬وبالتالي‭ ‬ستواجه‭ ‬حاملة‭ ‬الطائرات‭ ‬‮«‬نيميتز‮»‬‭ ‬تهديداً‭ ‬كبيراً،‭ ‬وستحتاج‭ ‬إلى‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬أعداد‭ ‬هائلة‭ ‬من‭ ‬القوات‭ ‬الصينية‭ ‬مع‭ ‬دعم‭ ‬محدود،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬هجوم‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الصين‭ ‬على‭ ‬القوات‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬المحيطين‭ ‬الهندي‭ ‬والهادئ‭ ‬سينبئ‭ ‬بضربة‭ ‬ضخمة‭ ‬على‭ ‬مجموعات‭ ‬الأقمار‭ ‬الصناعية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬بالإضافة‭ ‬لاضطرابات‭ ‬هائلة‭ ‬لواشنطن‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬الإلكتروني‭ ‬وعبر‭ ‬الطيف‭ ‬الكهرومغناطيسي،‭ ‬مع‭ ‬إعاقة‭ ‬قدرة‭ ‬القوات‭ ‬البحرية‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬تنسيق‭ ‬الدفاع‭ ‬ضد‭ ‬الهجمات‭ ‬الصينية،‭ ‬كما‭ ‬يرجح‭ ‬أن‭ ‬تبقي‭ ‬الطائرات‭ ‬الصينية‭ ‬المسيرة‭ ‬والصواريخ‭ ‬والأسلحة‭ ‬الأسرع‭ ‬من‭ ‬الصوت‭ ‬حاملة‭ ‬الطائرات‭ ‬الأمريكية‭ ‬‮«‬نيميتز‮»‬‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الأفق‭ ‬لتجنب‭ ‬تدميرها‭. ‬وبالتالي‭ ‬يمكن‭ ‬للصين‭ ‬جعل‭ ‬القوات‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬المحيطين‭ ‬الهندي‭ ‬والهادئ‭ ‬معزولة‭ ‬تماماً،‭ ‬بل‭ ‬وربما‭ ‬إغراق‭ ‬دفاعاتها‭ ‬بتكتيكات‭ ‬الهجوم‭ ‬المكثف،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬سيعني‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬خسارة‭ ‬حاملة‭ ‬الطائرات‭ ‬‮«‬نيميتز‮»‬‭.‬

كذلك،‭ ‬أجرت‭ ‬دراسة‭ ‬أخرى‭ ‬مقارنة‭ ‬بين‭ ‬حاملة‭ ‬الطائرات‭ ‬الصينية‭ ‬‮«‬فوجيان‮»‬‭ ‬ونظيرتها‭ ‬الأحدث‭ ‬في‭ ‬الأسطول‭ ‬الأمريكي‭ ‬‮«‬يو‭ ‬إس‭ ‬إس‭ ‬جيرالد‭ ‬ر‭. ‬فورد‮»‬،‭ ‬وقد‭ ‬توصلت‭ ‬الدراسة‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬نقاط‭ ‬التشابه‭ ‬بين‭ ‬الحاملتين،‭ ‬أبرزها‭ ‬استخدامهما‭ ‬لنظام‭ (‬CATOBAR‭) ‬واستخدام‭ ‬المنجنيقات‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬منصات‭ ‬القفز‭ ‬التزلجي‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬إطلاق‭ ‬طائرات‭ ‬أثقل‭ ‬وزناً‭ ‬بحمولات‭ ‬أكبر،‭ ‬بالإضافة‭ ‬لاستخدامهما‭ ‬مقلاعات‭ ‬كهرومغناطيسية‭ ‬ومعدات‭ ‬إيقاف‭ ‬رغم‭ ‬اختلافهما‭ ‬نسبياً‭ ‬في‭ ‬التصميم،‭ ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬الفجوة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬القدرات‭ ‬لصالح‭ ‬فورد‭ ‬الأمريكية،‭ ‬أبرزها‭ ‬قوة‭ ‬الإزاحة‭ ‬الأكبر‭ ‬لفورد‭ ‬والتي‭ ‬تبلغ‭ ‬100‭ ‬ألف‭ ‬طن‭ ‬مقابل‭ ‬85‭ ‬ألف‭ ‬طن‭ ‬لفوجيان،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬اعتماد‭ ‬الأخيرة‭ ‬على‭ ‬محركات‭ ‬تقليدية،‭ ‬بينما‭ ‬تعتمد‭ ‬محركات‭ ‬فورد‭ ‬على‭ ‬الطاقة‭ ‬النووية،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬‮«‬فوجيان‮»‬‭ ‬باعتبارها‭ ‬أول‭ ‬محاولة‭ ‬صينية‭ ‬لبناء‭ ‬حاملة‭ ‬طائرات‭ ‬حديثة‭ ‬شكلت‭ ‬قفزة‭ ‬نوعية‭ ‬للبحرية‭ ‬الأمريكية‭. ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى،‭ ‬ألمحت‭ ‬بعض‭ ‬التقارير‭ ‬الغربية‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬اعتباراً‭ ‬من‭ ‬مارس‭ ‬2025،‭ ‬باتت‭ ‬البحرية‭ ‬الأمريكية‭ ‬تمتلك‭ ‬فقط‭ ‬أربع‭ ‬حاملات‭ ‬طائرات‭ ‬جاهزة‭ ‬للانتشار،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتماشى‭ ‬مع‭ ‬تقارير‭ ‬أخرى‭ ‬كشفت‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬الضعف‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬يهيمن‭ ‬على‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬الأمريكية‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وأن‭ ‬هذه‭ ‬الحاملات‭ ‬تتمتع‭ ‬حالياً‭ ‬بدفاعات‭ ‬محدودة‭ ‬ضد‭ ‬الصواريخ‭ ‬الأسرع‭ ‬من‭ ‬الصوت‭. ‬لذا‭ ‬تسعى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تأكيد‭ ‬تفوقها‭ ‬البحري،‭ ‬وزيادة‭ ‬القوة‭ ‬البحرية‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬جبهات،‭ ‬فرغم‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تهيمن‭ ‬عسكرياً‭ ‬على‭ ‬البحار،‭ ‬فإنها‭ ‬باتت‭ ‬أضعف‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬قطاعات‭ ‬بحرية،‭ ‬مثل‭ ‬الشحن‭ ‬التجاري‭ ‬وبناء‭ ‬السفن‭ ‬وغيرهما‭.‬

وتجدر‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬مقاربة‭ ‬الصين‭ ‬وطريقة‭ ‬استخدامها‭ ‬لحاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬تختلف‭ ‬كثيراً‭ ‬عن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬فبينما‭ ‬تعد‭ ‬هذه‭ ‬الحاملات‭ ‬مجرد‭ ‬أداة‭ ‬واحدة‭ ‬بالنسبة‭ ‬لواشنطن‭ ‬تستخدمها‭ ‬لإنشاء‭ ‬شبكة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الحلفاء‭ ‬والشركاء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬دمج‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬مع‭ ‬القواعد‭ ‬الأمريكية‭ ‬ومراكز‭ ‬اللوجستيات‭ ‬والمنشآت‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬أخرى،‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬ترتبط‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬الصينية‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬بمساعي‭ ‬بكين‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬قوة‭ ‬عظمى‭ ‬رائدة‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬فرق‭ ‬الخبرة‭ ‬بين‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬الصينية‭ ‬والأمريكية،‭ ‬حيث‭ ‬تتمتع‭ ‬الأخيرة‭ ‬بخبرة‭ ‬أطول‭ ‬بكثير‭ ‬ممتدة‭ ‬لعقود‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬إجراء‭ ‬عمليات‭ ‬معقدة‭ ‬متعددة‭ ‬الحاملات،‭ ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬التطوير‭ ‬المتسارع‭ ‬في‭ ‬القدرات‭ ‬البحرية‭ ‬الصينية‭ ‬يظهر‭ ‬نية‭ ‬الأخيرة‭ ‬الواضح‭ ‬لتطوير‭ ‬قدرات‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تواجه‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬التكاليف‭ ‬الهائلة‭ ‬لبناء‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬المتقدمة،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬وأن‭ ‬هذه‭ ‬التكاليف‭ ‬كانت‭ ‬أحد‭ ‬العوامل‭ ‬الرئيسية‭ ‬لتراجع‭ ‬اهتمام‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي‭ ‬بحاملات‭ ‬الطائرات،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬نقص‭ ‬الميزانية‭ ‬شكل‭ ‬محدداً‭ ‬رئيسياً‭ ‬لتراجع‭ ‬القوة‭ ‬البحرية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬لكن‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬تعطي‭ ‬أولوية‭ ‬لبناء‭ ‬قدراتها‭ ‬العسكرية،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬القوة‭ ‬البحرية‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬سيجعلها‭ ‬مستعدة‭ ‬لتخصيص‭ ‬ميزانيات‭ ‬كبيرة‭ ‬لتحقيق‭ ‬هذا‭ ‬الهدف‭. ‬

تطور‭ ‬القدرات‭ ‬الصينية‭ ‬في‭ ‬استهداف‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات

لطالما‭ ‬شكلت‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬الأمريكية‭ ‬محدداً‭ ‬رئيسياً‭ ‬في‭ ‬هيمنة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬البحرية‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الماضية،‭ ‬ومنصة‭ ‬رئيسية‭ ‬لاستعراض‭ ‬القوة‭ ‬البحرية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحاملات‭ ‬باتت‭ ‬الآن‭ ‬أكثر‭ ‬عرضة‭ ‬للخطر،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التطورات‭ ‬الهائلة‭ ‬والمتسارعة‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الدفاع‭ ‬الصيني‭. ‬وقد‭ ‬أجرت‭ ‬الصين‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬التدريبات‭ ‬العسكرية‭ ‬التي‭ ‬تحاكي‭ ‬حصار‭ ‬تايوان،‭ ‬لكنها‭ ‬تدرك‭ ‬أيضاً‭ ‬أن‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬الأمريكية‭ ‬والمدمرات‭ ‬ستكون‭ ‬حاسمة‭ ‬للبحرية‭ ‬الأمريكية‭ ‬لاختراق‭ ‬هذ‭ ‬الحصار،‭ ‬لذا‭ ‬ركزت‭ ‬بكين‭ ‬بشكل‭ ‬مكثف‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬بعض‭ ‬الأسلحة‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تعيق‭ ‬البحرية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬حيث‭ ‬ترتكز‭ ‬استراتيجيتها‭ ‬لمنع‭ ‬دخول‭ ‬القوات‭ ‬الأمريكية‭ ‬لغرب‭ ‬المحيط‭ ‬الهادئ‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الأسلحة،‭ ‬وقد‭ ‬باتت‭ ‬الصين‭ ‬تمتلك‭ ‬حالياً‭ ‬مخزوناً‭ ‬هائلاً‭ ‬من‭ ‬الصواريخ‭ ‬الباليستية‭ ‬المضادة‭ ‬للسفن‭ (‬معروفة‭ ‬أيضاً‭ ‬باسم‭ ‬قاتلة‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭)‬،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬صواريخ‭ ‬DF-21‭ ‬وDF-26‭ ‬وYJ-12‭ ‬وYJ-18‭ ‬وYJ-83‭. ‬بالإضافة‭ ‬لامتلاكها‭ ‬صواريخ‭ ‬YJ-21‭ ‬وYJ-27‭ ‬الأسرع‭ ‬من‭ ‬الصوت‭ ‬والقادرة‭ ‬على‭ ‬ضرب‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬الأمريكية‭. ‬وقد‭ ‬أشارت‭ ‬بعض‭ ‬التقارير‭ ‬الأمريكية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تطور‭ ‬أساليب‭ ‬جديدة‭ ‬لإضعاف‭ ‬استراتيجية‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬منع‭ ‬الوصول‭ ‬والحرمان‭ ‬من‭ ‬الدخول،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬مواجهة‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭ ‬ستكون‭ ‬محسومة‭ ‬للصين‭.‬

ويتسق‭ ‬هذا‭ ‬الطرح‭ ‬مع‭ ‬تصريحات‭ ‬سابقه‭ ‬لوزير‭ ‬الدفاع‭ ‬الأمريكي‭ ‬الحالي،‭ ‬بيت‭ ‬هيغسيث،‭ ‬في‭ ‬نوفمبر‭ ‬الماضي‭ ‬قبل‭ ‬توليه‭ ‬منصبه‭ ‬الحالي،‭ ‬والتي‭ ‬أشار‭ ‬فيها‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الصواريخ‭ ‬الصينية‭ ‬الأسرع‭ ‬من‭ ‬الصوت‭ ‬تستطيع‭ ‬إغراق‭ ‬جميع‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬الأمريكية‭ ‬خلال‭ ‬20‭ ‬دقيقة‭ ‬فقط،‭ ‬ورغم‭ ‬إشارة‭ ‬بعض‭ ‬التقديرات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬التصريحات‭ ‬بها‭ ‬مبالغة‭ ‬في‭ ‬تقدير‭ ‬المدة‭ ‬الزمنية،‭ ‬لكنها‭ ‬تعكس‭ ‬مدى‭ ‬تقدم‭ ‬قدرات‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬استهداف‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬الأمريكية‭.‬

كذا،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الصواريخ‭ ‬وحدها‭ ‬هي‭ ‬ما‭ ‬تطوره‭ ‬الصين‭ ‬لإغراق‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬الأمريكية،‭ ‬فقد‭ ‬كشفت‭ ‬جامعة‭ ‬‮«‬بوليتكنيك‮»‬‭ ‬شمال‭ ‬غرب‭ ‬الصين،‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬مركز‭ ‬الصين‭ ‬لبحوث‭ ‬وتطوير‭ ‬الديناميكا‭ ‬الهوائية،‭ ‬عن‭ ‬نجاحها‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬أسراب‭ ‬من‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيرة‭ ‬المخصصة‭ ‬لتدمير‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات،‭ ‬حيث‭ ‬يتم‭ ‬إطلاق‭ ‬هذه‭ ‬الطائرات‭ ‬من‭ ‬الغواصات‭ ‬الصينية‭ ‬لتشكل‭ ‬سرباً‭ ‬في‭ ‬الهواء‭ ‬وتقوم‭ ‬بعدها‭ ‬بشن‭ ‬هجمات‭ ‬مفاجئة‭ ‬على‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات،‭ ‬مما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬غمر‭ ‬أنظمتها‭ ‬الدفاعية‭ ‬وهبوطها‭ ‬إلى‭ ‬قاع‭ ‬البحر‭. ‬وقد‭ ‬أجرت‭ ‬بكين‭ ‬رحالات‭ ‬تجريبية‭ ‬لهذه‭ ‬الأسراب،‭ ‬وعلى‭ ‬عكس‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيرة‭ ‬البحرية‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬حالياً‭ ‬بتطويرها،‭ ‬والتي‭ ‬تشير‭ ‬التقديرات‭ ‬إلى‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬عيوب‭ ‬جوهرية‭ ‬ولا‭ ‬تتمتع‭ ‬بقدرة‭ ‬على‭ ‬المناورة‭ ‬تحت‭ ‬الماء،‭ ‬فإن‭ ‬الأسراب‭ ‬التي‭ ‬طورتها‭ ‬الصين‭ ‬مؤخراً‭ ‬تتمتع‭ ‬بقدرة‭ ‬أعلى‭ ‬على‭ ‬المناورة‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬العودة‭ ‬مرةً‭ ‬أخرى‭ ‬إلى‭ ‬الغواصة‭ ‬التي‭ ‬أطلقتها‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬صعوبة‭ ‬استهدافها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تفتقره‭ ‬المسيرات‭ ‬الأمريكية‭.‬

حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬ومستقبل‭ ‬الحروب‭ ‬البحرية

تعد‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬رمزاً‭ ‬للقدرات‭ ‬العسكرية‭ ‬للدول،‭ ‬فمن‭ ‬خلال‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬آلاف‭ ‬القوات‭ ‬وعشرات‭ ‬الطائرات‭ ‬المقاتلة‭ ‬مع‭ ‬احاطتها‭ ‬بعدد‭ ‬من‭ ‬السفن‭ ‬الحربية‭ ‬الأخرى‭ ‬ذات‭ ‬القدرات‭ ‬الخاصة،‭ ‬يمكن‭ ‬لحاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬ذات‭ ‬القمم‭ ‬المسطحة‭ ‬أن‭ ‬تمثل‭ ‬نفوذاً‭ ‬واسعاً‭ ‬لأي‭ ‬دولة،‭ ‬ورمزاً‭ ‬للمكانة‭ ‬والنفوذ‭ ‬وعنصراً‭ ‬حاسماً‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬البحرية‭ ‬المستقبلية‭.‬

وقد‭ ‬كشفت‭ ‬بعض‭ ‬التقارير‭ ‬الأمريكية‭ ‬عن‭ ‬اتجاه‭ ‬الصين‭ ‬لتطوير‭ ‬حاملة‭ ‬طائرات‭ ‬ضخمة،‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬‮«‬فوجيان‮»‬‭ ‬ستعمل‭ ‬بالطاقة‭ ‬النووية‭ ‬وستنافس‭ ‬أكبر‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬الأمريكية‭. ‬وقد‭ ‬أشارت‭ ‬بعض‭ ‬التقديرات‭ ‬الغربية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬بالطاقة‭ ‬النووية‭ ‬يمكنها‭ ‬أن‭ ‬ترسخ‭ ‬مكانة‭ ‬الصين‭ ‬كقوة‭ ‬بحرية‭ ‬من‭ ‬الدرجة‭ ‬الأولى،‭ ‬وهي‭ ‬المجموعة‭ ‬التي‭ ‬تقتصر‭ ‬حالياً‭ ‬على‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وفرنسا‭.‬

وتشير‭ ‬صور‭ ‬الأقمار‭ ‬الصناعية‭ ‬لمنشأة‭ ‬بناء‭ ‬السفن‭ ‬الصينية‭ ‬في‭ ‬‮«‬داليان‮»‬‭ ‬بشمال‭ ‬شرق‭ ‬الصين،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬الصينية‭ ‬الرابعة‭ ‬ستكون‭ ‬من‭ ‬الجيل‭ ‬التالي‭ ‬وستمتلك‭ ‬تصميم‭ ‬جديد‭ ‬يسمح‭ ‬لها‭ ‬بإطلاق‭ ‬الطائرات‭ ‬المقاتلة‭ ‬من‭ ‬أربعة‭ ‬أجزاء‭ ‬من‭ ‬سطح‭ ‬السفينة،‭ ‬على‭ ‬عكس‭ ‬الحاملات‭ ‬الثلاث‭ ‬التي‭ ‬تمتلكها‭ ‬بكين‭ ‬حالياً‭ ‬والتي‭ ‬تسمح‭ ‬بإطلاق‭ ‬المقاتلات‭ ‬من‭ ‬ثلاث‭ ‬أجزاء‭ ‬فقط‭. ‬وبالتالي‭ ‬يتوقع‭ ‬أن‭ ‬تزود‭ ‬حاملة‭ ‬الطائرات‭ ‬الصينية‭ ‬الجديدة‭ ‬بأربعة‭ ‬منجنيقات‭ ‬ومواكبة‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬الأمريكية،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬‮«‬يو‭ ‬إس‭ ‬إس‭ ‬جيرالد‭ ‬ر‭. ‬فورد‮»‬‭ ‬والتي‭ ‬تعد‭ ‬أكبر‭ ‬حاملة‭ ‬طائرات‭ ‬في‭ ‬البحرية‭ ‬الأمريكية‭ ‬وأكثرها‭ ‬تطوراً‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬شككت‭ ‬تقارير‭ ‬أمريكية‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬مدى‭ ‬قدرة‭ ‬الصين‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬حاملات‭ ‬طائرات‭ ‬تعمل‭ ‬بالطاقة‭ ‬النووية،‭ ‬معتبرةً‭ ‬أن‭ ‬تطوير‭ ‬هذه‭ ‬الحاملات‭ ‬يعد‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬مقارنةً‭ ‬بتطوير‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬التقليدية،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬تفتقر‭ ‬للخبرة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المجالات،‭ ‬وبالتالي‭ ‬ألمحت‭ ‬هذه‭ ‬التقارير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬حلم‭ ‬الصين‭ ‬بامتلاك‭ ‬حاملة‭ ‬طائرات‭ ‬نووية‭ ‬يبدو‭ ‬احتمالاً‭ ‬مستبعداً‭ ‬في‭ ‬المدى‭ ‬المنظور‭. ‬لكن‭ ‬ربما‭ ‬يدحض‭ ‬هذا‭ ‬الطرح‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬تمكنت‭ ‬فعلياً‭ ‬من‭ ‬تطوير‭ ‬غواصات‭ ‬تعمل‭ ‬بالطاقة‭ ‬النووية،‭ ‬رغم‭ ‬الاختلاف‭ ‬بين‭ ‬تشغيل‭ ‬الغواصات‭ ‬وحاملات‭ ‬الطائرات‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تتعدد‭ ‬الخيارات‭ ‬أمام‭ ‬الصين‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بحاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬الصينية‭ ‬ودورها‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬المستقبلية،‭ ‬يتمثل‭ ‬أبرزها‭ ‬في‭ ‬مواصلة‭ ‬تطوير‭ ‬وتوسيع‭ ‬الأسطول‭ ‬الصيني‭ ‬من‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬التقليدية،‭ ‬أما‭ ‬الخيار‭ ‬الثاني‭ ‬فيتمثل‭ ‬في‭ ‬الدفع‭ ‬نحو‭ ‬تطوير‭ ‬حاملات‭ ‬طائرات‭ ‬نووية‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬التقليدية،‭ ‬بالإضافة‭ ‬لذلك‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تعمل‭ ‬الصين‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬الأسلحة‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬إغراق‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مضاعفة‭ ‬جهودها‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬الصواريخ‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيرة‭ ‬والغواصات‭ ‬والقدرات‭ ‬السيبرانية‭ ‬التي‭ ‬ستمكنها‭ ‬من‭ ‬تحييد‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬الأمريكية،‭ ‬ويبدو‭ ‬أن‭ ‬بكين‭ ‬تتجه‭ ‬نحو‭ ‬تبني‭ ‬مقاربة‭ ‬هجينة‭ ‬تركز‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬الخيارات‭.‬

بالتالي،‭ ‬بينما‭ ‬تمكنت‭ ‬البحرية‭ ‬الصينية‭ ‬من‭ ‬تحقيق‭ ‬التفوق‭ ‬الكمي‭ ‬على‭ ‬نظيرتها‭ ‬الأمريكية،‭ ‬فإنها‭ ‬تسعي‭ ‬حالياً‭ ‬لتضييق‭ ‬الفجوة‭ ‬التكنولوجية‭ ‬مع‭ ‬واشنطن،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تزويد‭ ‬أسطولها‭ ‬بسفن‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬لسنوات‭ ‬دون‭ ‬الحاجة‭ ‬للتزود‭ ‬بالوقود،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬الجغرافيا‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬المحيط‭ ‬الهادئ‭ ‬مع‭ ‬تعزيز‭ ‬الوجود‭ ‬العسكري‭ ‬الصيني‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬سواحلها‭. ‬وسيشكل‭ ‬تطوير‭ ‬الصين‭ ‬لحاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬الصينية،‭ ‬حال‭ ‬تمكنت‭ ‬بكين‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬تحولاً‭ ‬استراتيجياً‭ ‬كبيراً،‭ ‬حيث‭ ‬ستتمكن‭ ‬الصين‭ ‬من‭ ‬نشر‭ ‬أسطولها‭ ‬خارج‭ ‬مياهها‭ ‬الإقليمية‭ ‬مع‭ ‬إجراء‭ ‬عمليات‭ ‬مطولة‭ ‬دون‭ ‬قيود‭ ‬لوجستية‭.‬

ولأول‭ ‬مرةً‭ ‬منذ‭ ‬80‭ ‬عاماً،‭ ‬باتت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تواجه‭ ‬تحدياً‭ ‬يتعلق‭ ‬بهيمنتها‭ ‬على‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات،‭ ‬فخلال‭ ‬13‭ ‬عاماً‭ ‬فقط‭ ‬تمكنت‭ ‬الصين‭ ‬من‭ ‬بناء‭ ‬ثلاث‭ ‬حاملات‭ ‬طائرات،‭ ‬مع‭ ‬تطلعات‭ ‬لبناء‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الحاملات‭ ‬الأكثر‭ ‬تطوراً‭ ‬والتي‭ ‬تعمل‭ ‬بالطاقة‭ ‬النووية،‭ ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يهدد‭ ‬الهيمنة‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬المحيطين‭ ‬الهندي‭ ‬والهادئ،‭ ‬وربما‭ ‬يفضي‭ ‬إلى‭ ‬انتزاع‭ ‬الصين‭ ‬لهذه‭ ‬الهيمنة‭ ‬خلال‭ ‬أي‭ ‬حرب‭ ‬مستقبلية‭.‬

وفي‭ ‬الختام،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬الصينية‭ ‬يرجح‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لها‭ ‬تأثير‭ ‬محدود‭ ‬على‭ ‬نتيجة‭ ‬أي‭ ‬صراع‭ ‬مباشر‭ ‬مستقبلي‭ ‬بين‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المحددات‭ ‬الرئيسية‭ ‬التي‭ ‬تدفع‭ ‬بكين‭ ‬نحو‭ ‬الاستثمار‭ ‬بكثافة‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬قدراتها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬بل‭ ‬وبوتيرة‭ ‬متسارعة،‭ ‬لعل‭ ‬أبرزها‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بطموحات‭ ‬بكين‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬وصولها‭ ‬إلى‭ ‬المياه‭ ‬الزرقاء‭ ‬والتحول‭ ‬لقوة‭ ‬عظمى‭ ‬رائدة‭. ‬ورغم‭ ‬الخبرة‭ ‬المحدودة‭ ‬نسبياً‭ ‬للصين‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬مقارنة‭ ‬بالخبرة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الطويلة،‭ ‬فإن‭ ‬الصين‭ ‬أثبتت‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تجاوز‭ ‬الفجوات‭ ‬الكبيرة‭ ‬مع‭ ‬منافسيها‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المجالات،‭ ‬وبالتالي‭ ‬لا‭ ‬يستبعد‭ ‬أن‭ ‬تتمكن‭ ‬الصين‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬القليلة‭ ‬المقبلة‭ ‬من‭ ‬التحول‭ ‬لند‭ ‬قوي‭ ‬لواشنطن‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بحاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬الأكثر‭ ‬تقدماً،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬ستكون‭ ‬له‭ ‬انعكاسات‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬مستقبل‭ ‬الحروب‭ ‬المستقبلية،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الإندوباسيفيك،‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المناطق‭ ‬الحيوية‭ ‬حول‭ ‬العالم‭.‬

عدنان‭ ‬موسى
مدرس‭ ‬مساعد‭ ‬بكلية‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والعلوم‭ ‬السياسية‭ ‬–‭ ‬جامعة‭ ‬القاهرة‭

WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض